وقد فعل جيل الصحابة الذي عايش الرسول صلى الله عليه وسلم كل ذلك، وكتب السيرة مليئة بالشواهد على ذلك مما يشهد لهذا الجيل الفريد بالخيرية المطلقة على بقية الأجيال.
والمسلمون كلهم على اختلاف أزمانهم على قدم الصحابة في هذا الأمر من احترام الرسول صلى الله عليه وسلم وفدائه بأنفسهم وأموالهم، والشواهد على ذلك كثيرة أيضًا.
ولكن عرض المسألة بهذا الأسلوب يتنافى مع المنهج الأخلاقي الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولو قيل هذا الكلام بحق غيره لكان منقصة ومذمة.
تصور معي إنسانًا معه طعام وشراب وهو محتاج إليه بحيث لو أخذا منه لأدى ذلك إلى موته، فجاء إنسان آخر في مثل حالة الأول وليس معه طعام ولا شراب، فلم يجد بدًا من أخذ ما مع الأول من طعام وشراب للإبقاء على حياة نفسه، وترك الأول يموت جوعًا وعطشًا.
فما هو حكم فعل الرجل الثاني في نظر الأخلاق ونظر الفقه.
هذه هي الخصوصية التي نتحدث عنها في هذه المسألة.
لا شك بأن فعل الرجل الثاني غير مقبول في لغة الفقهاء، ولا في لغة الأخلاق فكيف يكون خصوصية للرسول صلى الله عليه وسلم؟!.
لا شك بأن الرجل الأول لو بذل للثاني ما معه لكان ذلك فضيلة أخلاقية رفيعة لهذا الرجل تعبر عن الإيثار في أعلى درجاته، كما جاء ذلك في وصف الصحابة في قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [1] .
أما الأمر المعترض عليه في هذه المسألة، فهو أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم في مقام الرجل الثاني في المثال المذكور.
إن هذا الأمر غير متخيل منه حدوثه صلى الله عليه وسلم لتعارضه مع ما عرف عنه من الأخلاق الرفيعة التي نص عليها القرآن الكريم بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [2] .
فهو الذي يحمل الكَّل، ويكسب المعدوم، ويعين على نوائب الحق .. كما قالت السيدة خديجة رضي الله عنها.
وهو الذي كان يسير في الرجوع من الغزوات والسفر في آخر القوم، يعين الضعيف ويساعد أصحاب الحاجات ..
فهو صلى الله عليه وسلم دائمًا وفي وقت الأزمات في موقف العطاء، لا في موقف الأخذ. ودائمًا يده العليا.
وإذا كانت الصدقات عليه محرمة، وهي إنما تحلُّ في وقت الحاجة، فكيف نتج لخيالنا أن نقبل للرسول صلى الله عليه وسلم صورة الغاصب؟!! في وقت الحاجة.
إن هذه الخاصية المتخيلة، بعيدة كل البعد عن ذات الرسول الكريمة صلى الله عليه وسلم ويتمنى الإنسان المسلم، لو استطاع محوها من هذه الكتب لما فيها من إساءة للرسول صلى الله عليه وسلم وتشويه لصورته ..
(1) سورة الحشر، الآية (9) .
(2) سورة القلم، الآية (4) .