فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 235

أما ما استدل به أصحاب هذا الرأي، من قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} فهو استدلال في عكس ما جاءت به الآية الكريمة. فهم استدلوا بها على أن الرسول صلى الله عليه وسلم له بهذه الآية أن يقدم نفسه عليهم في حرمانهم مما يحتاجون إليه ليلبي به حاجة نفسه.

ولم يفهم أحد من المفسرين هذا الفهم.

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية المذكورة:

«قد علم الله تعالى شفقة رسوله صلى الله عليه وسلم على أمته، ونصحه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم.

وقال البخاري عند هذه الآية .. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، واقرؤوا إن شئتم {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} فأيما مؤمن ترك مالًا فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك دينًا أو ضياعًا فليأتني فأنا مولاه» [1] » [2] .

هذا ما قاله ابن كثير. وواضح من كلامه ومن الحديث الذي استشهد به أن الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم في تحمل الغرم عنهم، ومساعدتهم في وقت الشدة. أما في أوقات رفاههم واستغنائهم وعدم حاجتهم .. فإن ذلك يعود إلى ذوي قراباتهم [3] .

وإذن ليس في الآية ما يدل على ما ذهبوا إليه.

ونتساءل: كيف قبل الفقهاء مثل هذا التصور، ثم جعلوه من الخصوصيات؟.

والجواب: إن الفقهاء رحمهم الله، في المسائل الفرعية، كثيرًا ما تسيطر عليهم القواعد الفقهية القائمة على القياس والنظير في الحكم، بعيدًا عن النظر الأخلاقي العام، وهذا الاتجاه جعلهم يقسمون الأحكام في كثير من الأحيان، فيقولون: قضاءً، وديانة.

فالحكم القضائي: هو الذي وقف عند النص دون مراعاة للجانب الباطن في المسألة ..

وفي مسألتنا هذه: رأوا أن حياته صلى الله عليه وسلم مقدمة على حياة بقية الناس، ولذا كان له صلى الله عليه وسلم أن يتخذ من الوسائل ما يحافظ عليها، حتى ولو كان في ذلك تلف بعض الأنفس. فالمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة. فبقاؤه صلى الله عليه وسلم مصلحة عامة للمسلمين، وبقاء فرد من المسلمين. مصلحة خاصة لذلك الفرد ومن يلوذ به.

(1) أخرجه البخاري برقم (2399) .

(2) تفسير ابن كثير عند الآية المذكورة.

(3) وفي هذا المعنى قال عنترة:

هلا سألت الخيل يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلم

يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم

فهذه قيم جاهلية «أغشى الوغى» فأكون في موقف العطاء والبذل في المقدمة، فإذا جاء توزيع المغنم كنت بعيدًا عنه.

هذا المعنى هو بعض ما جاء في حديث البخاري: «فأيما مؤمن ترك مالًا .. » أفيكون هذا المعنى الرفيع عند الجاهليين، ولا يكون عند الرسول صلى الله عليه وسلم حسب هذه المسألة؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت