فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 235

وقد استدلوا للمسألة الأولى: بأن على المرأة الخلية الإجابة، لأنها إذا خالفت أمره كانت عاصية، وإن خالفت رغبته كانت غير راضية بقوله وفعله، وذلك عصيان عظيم يؤدي إلى الكفر، فتلزمها الإجابة وتخيَّر.

واستدل لذلك الماوردي بعموم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [1] [2] .

وقبل المضي في سياق أدلة المسألة الثانية فإني أتوقف للنظر في أدلة المسألة الأولى.

إن سيرته صلى الله عليه وسلم في أمر زواجه تخالف هذا الاستدلال.

فإن أم سلمة رضي الله عنها اعتذرت حين خطبها ثم رضيت بعد ذلك.

وقد استشار جويرية بنت الحارث حينما جاءت تطلب مساعدته. فقال: «فهل لك في خير من ذلك» .. فاستشارها في زواجه منها [3] .

وخطب النبي صلى الله عليه وسلم ابنة عمه أم هانئ بنت أبي طالب، فاعتذرت بأنها ذات أولاد، ولم تقبل [4] .

ثم إن الله سبحانه وتعالى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخير نساءه، ليكون استمرارهن معه عن رضى منهن، فرضى من رغب بها ابتداء أولى.

ثم إن أحاديثه الكثيرة التي تبين للناس شرعهم المطهر، تأمرهم بأخذ موافقة الزوجات قبل العقد. ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن» [5] .

ثم إن الذين وضعوا هذه المسألة المفترضة المتخيلة، والتي ألزموا فيها المرأة بالموافقة، رجعوا فقالوا: تلزمها الإجابة وتخير.

فأقول: لو خيرت فاختارت عدم الزواج لعذر ما، هل تكون عاصية؟ وإذا كانت باختيارها ستكون عاصية، فما فائدة التخيير، إذا كانت برفضها على كلتا الحالتين، ستكون عاصية.

إنه منطق عجيب في عالم الاحتمالات، منقطع عن الواقع.

وأما الآية الكريمة، فهي نص عام جاء بشأن القتال، قال المفسرون {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} أي الجهاد والقتال.

ثم إن المسألة قائمة على دعوى الخصوصية، فأين الدليل على ذلك؟!.

وننتقل إلى المسألة الثانية.

(1) سورة الأنفال، الآية (24) .

(2) مرشد المحتار ص 282.

(3) أخرجه أبو داود برقم (3931) .

(4) الإصابة لابن حجر 4/ 287.

(5) متفق عليه (خ 5136، م 1419) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت