قال الغزالي: قالوا: إذا وقع بصره صلى الله عليه وسلم على امرأة فوقعت منه موقعًا، وجب على الزوج تطليقها. لقصة زيد.
قال: ولعل السر فيه من جانب الزوج امتحان إيمانه، بتكليف النزول عن أهله، ومن جانب النبي صلى الله عليه وسلم ابتلاؤه بالبلية البشرية، ومنعه من خائنة الأعين، وعن الإضمار الذي يخالف الإظهار، ولا شيء أدعى إلى غض البصر من هذا التكليف [1] .
وإن المسلم ليقف أمام هذه المسألة التي دونها الفقهاء في كتبهم، وأصَّلوها، وفتشوا لها عن الأدلة، فأتعبوا بها أنفسهم وأساؤوا.
تخيل معي أن امرأة ذات زوج وأولاد، مرت من أمام النبي صلى الله عليه وسلم، فأعجبته ووقعت من قلبه، فإن على الزوج المسكين وبكامل الرضى أن يطلق زوجته ويهدم أسرته، ليتزوج الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المرأة.
كذا قالوا - والله - في هذه المسألة؟!!.
ولو حذف شخص الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه المسألة، ثم رويت عن أي شخص كان، لوصف هذا الشخص بأشنع الأوصاف.
وما ندري كيف أسفَّ فكر هؤلاء الفقهاء الكبار - رحمهم الله - في هذه المسألة، فجاؤوا فيها بأمر عجاب، بل وجعل بعضهم يؤيدها بأدلة باطلة في جدل فقهي عقيم، ونسي بعضهم أنها مسألة تتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم.
نقل الإمام الغزالي عن فقهاء الشافعية أنهم استشهدوا لهذه المسألة بقصة زيد!!.
وما ندري ما علاقة قصة زيد بهذه المسألة؟.
اللهم إلا إذا كان مرادهم القصة المكذوبة الملفقة الباطلة التي ترويها بعض كتب السيرة وبعض كتب التفسير. والتي ملخصها:
أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى زينب بنت جحش، زوجة زيد بن حارثة، فأحبها ووقعت في قلبه، فقال: سبحان مقلب القلوب، فسمعتها زينب، فأخبرت بها زيدًا، فأراد أن يطلقها فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «أمسك عليك زوجك» ، حتى نزل القرآن يعاتبه على إخفائه.
ربما كان استدلال الفقهاء الذين أشار إليهم الغزالي بهذه القصة. وهي قصة باطلة.
ولا بد أن نبين قصة زيد التي أشار إليها الغزالي باختصار شديد، حتى يظهر زيف ما استدلوا به:
كان ذلك في العام الخامس من الهجرة وقبل أن يفرض الحجاب، حين خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ابنة عمته أميمة بنت عبد المطلب لفتاه زيد بن حارثة، فترفعت عليه لشرف نسبها وجمالها، فأنزل الله تعالى: وَمَا
(1) غاية السول ص 197، ومرشد المحتار ص 284.