وتشير مادة: دَرَجَ، في معاجم اللُّغة إلى الترقي شيئًا فشيئًا وصولًا إلى غايةٍ محدَّدةٍ، وَمِنه يُقَالُ: دَرَّجْتُ الْعَلِيلَ تَدْريجًا إِذا أَطعمته شَيْئًا قَلِيلًا، وَذَلِكَ إِذا نَقِهَ، حَتَّى يَتَدَرَّجَ إِلى غَايَةِ أَكله، كَمَا كَانَ قَبْلَ الْعِلَّةِ، دَرَجَةً دَرَجَةً، ودَرَّجَه إِلى كَذَا واسْتَدْرَجه، بِمَعْنًى أَي أَدناه مِنْهُ عَلَى التَّدْرِيجِ، فتَدَرَّجَ هُوَ، وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} " [1] ، قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ سنأْخُذُهم قَلِيلًا قَلِيلًا وَلَا نُباغِتُهم [2] ."
وعلى ضوءِ ذلِك وكّما سبقَ في آدابِ المُعلِّمِ فقدْ توصّلَ الباحِثُ إلى تعريفٍ إجرائيٍّ للتدرُّج بأنّهُ:"الانتقالُ مِن مرحلةٍ إلى مرحلةٍ أُخرى أَعلى مِنها وأرفعُ في الحسِّ أو في المعنى".
والتدرج في التعليم، كما يراه الباحث هو:"اِنتقالُ المُتعلِّمِ مِن مرحلةٍ فِي العِلمِ والتربية، إلى مرحلةٍ أُخرى أَعلى مِنها وأرفعُ في الحسِّ أو في المعنى".
فينبغِي للمُتعلِّمِ أنْ يوليَ هَذا الأمرَ اِهتمامهُ، فلا يتلقّى العُلومَ جُملةً واحدة، ولكنْ يبدأُ بالتدرُّج منَ المهمِّ إلى الأهمّ، وقدْ أشارَ الإمامُ ابن مُفلح - رحمه الله - إلى رأي الإمامِ أحمدَ بأنْ يبدأَ الصغيرُ أوّلًا بتعلُّم القرآنِ كيْ يتعوّد القِراءة فتكونُ كالمِفتاحِ لغيرِها:"قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه أَيُّهُمَا أَحَبُّ إلَيْك أَبْدَأُ ابْنِي بِالْقُرْآنِ أَوْ بِالْحَدِيثِ قَالَ: لَا بِالْقُرْآنِ قُلْتُ: أُعَلِّمُهُ كُلَّهُ قَالَ: إلَّا أَنْ يَعْسُرَ فَتُعَلِّمَهُ مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ لِي: إذَا قَرَأَ أَوَّلًا تَعَوَّدَ الْقِرَاءَةَ ثُمَّ لَزِمَهَا" [3] ، وقالَ فِي موضِعٍ آخر:"وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَيُقَدِّمُ حِفْظَ الْقُرْآنِ لِمَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ مِنْ الْمَعْنَى. وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يُمْكِنُ إدْرَاكُهَا وَالْفَرَاغُ مِنْهَا فِي الصِّغَرِ غَالِبًا" [4] .
وقدْ أشارَ المصنِّفُ -رحمه الله- إلى أهميّةِ هَذا التدرُّجِ في اِكتسابِ المعرِفة، فِيما نقلَهُ عنْ صاحِبِ النِّهَايَةِ قالَ: فِي معنى: إنَّ مِنْ الْعِلْمِ جَهْلًا"قِيلَ: هُوَ أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ"
(1) سورة الأعراف. الاية (182) .
(2) ابن منظور، محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين الأنصاري. لسان العرب. (مرجع سابق) فصل العين المهملة. ج 2. ص 267 - 268.
(3) المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 2 ص 120.
(4) (المرجع السابق) : ج 2. ص 120.