وما أجملَ ما قالهُ الجرْجانيُّ [1] رحمهُ اللهُ تعالى:
ولم أبتَذِل في خِدمَةِ العِلْمِ مُهجَتِي لأَخدِمَ من لاقَيتُ لَكن لأُخْدَمَا
وَلَو أَنَّ أَهلَ العِلمِ صَانوهُ صَانَهَم وَلَو عَظَّموهُ في النُّفُوسِ لَعُظِّمَا [2] .
وقدْ أشارَ المصنِّفُ -رحمه الله- إلى هذا العِزَّةِ الّتي ينبغِي للمُتعلِّمِ أن يحمِلها، فقال:"قال ابن الجوزي: وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَضَائِلَ لَا تُنَالُ بِالْهُوَيْنَا، فَبَارَكَ اللَّهُ لِأَهْلِ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ، فَنَحْنُ الْأَغْنِيَاءُ وَهُمْ الْفُقَرَاءُ، فَإِنْ عَمَّرُوا دَارًا سَخَّرُوا الْفَعَلَةَ، وَإِنْ جَمَعُوا مَالًا فَمِنْ وُجُوهٍ لَا تَصْلُحُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَخَافُ أَنْ يُقْتَلَ أَوْ يُعْزَلَ أَوْ يُسَمَّ، فَعَيْشُهُمْ نَغَصٌ، الْعِزُّ فِي الدُّنْيَا لَنَا لَا لَهُمْ، وَإِقْبَالُ الْخَلْقِ عَلَيْنَا، وَفِي الْآخِرَةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ تَفَاوُتٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْعَجَبُ لِمَنْ شَرُفَتْ نَفْسُهُ حَتَّى طَلَبَ الْعِلْمَ إذْ لَا تَطْلُبُهُ إلَّا نَفْسٌ شَرِيفَةٌ كَيْفَ يَذِلُّ لِنَذْلٍ مَا عِزُّهُ إلَّا بِالدُّنْيَا، وَلَا فَخْرُهُ إلَّا بِالْمَسْكَنَةِ" [3] .
إنَّ مِنْ أعظمِ ما يعينُ المسلمَ على تحقيقِ التّقوى والاستقامةِ على نهجِ الحقِّ والهُدى، مُصاحبةُ الأخيارِ، ومصافاةُ الأبرار، والبعدُ عن قُرناءِ السّوء وعدمُ مخالطةِ الأشرار، لأنّ الإنسانَ بطبعهِ وحكمِ بشريّته يتأثّر بصفيِّهِ وجليسِه ويكتسبُ من أخلاقِ قرينِهِ وخليله، ويومَ القيامَةِ يعَضُّ منِ اختارَ صاحِبَ السّوءْ أصابِعَ النّدم، ويتحسَّرُ على ما فاتهُ في دُنياه، يقولُ تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا - يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا - لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا} [4] .
(1) قال عنهُ ابنُ كثير في البداية والنهاية: أبو الحسن الجرجاني الشاعر الماهر: علي بن عبد العزيز القاضي بالري، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَرَقَّى فِي الْعُلُومِ حَتَّى أَقَرَّ لَهُ النَّاسُ بِالتَّفَرُّدِ، وَلَهُ أَشْعَارٌ حِسَانٌ، ج 11. ص 380.
(2) ابن كثير، أبوالفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي. البداية والنهاية. تحقيق علي شيري. دار إحياء التراث العربي. ط 1. 1408، ه - 1988 م. ج 11. ص 380.
(3) المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 1. ص 287.
(4) سورة الفرقان: الآيات من 27 - 29.