وينبغيِ على المتعلِّمِ أنْ يحرِصَ على اغتنامِ وقتِ الفراغِ بِتحصيلِ العُلومِ النّافِعة، الّتي تزيدُ مِنْ تحصِيلِهِ العِلميِّ، أشارَ إلى ذلك المصنِّفُ -رحمه الله- فقال:"وَلَكِنْ يَنْبَغِي اغْتِنَامُ أَوْقَاتِ الْفَرَاغِ فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ:"نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَذَكَرَ أَبُو حَفْصٍ النَّحَّاسُ قَوْلَ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ:"
بَادِرْ إذَا الْحَاجَاتُ يَوْمًا أَمْكَنَتْ ... بِوُرُودِهِنَّ مَوَارِدَ الْآفَاتِ" [1] ."
فالمُتعلِّمُ الذيِ أرادَ بعِلمِهِ وجهَ اللهِ تعالى يستشْعِرُ عِظمَ نعمةِ اللهِ عليهِ بتوفيقِهِ لِلعِلم، فَلا ينبغِي لهُ أنْ يُذلَّ نفسَه أبدًا ولا يشْتري بِعِلمِهِ ثمنًا قليلًا مِن حُطامِ الدُّنيا الفاني، ولهذا فإنّ منِ اتّصفَ بِهذِه الصِّفةِ مِنَ المُتعلِّمين يُصبِحُ في وادٍ والناسُ في وادٍ آخر.
والأنبياءُ والمرسلونَ عليهِمُ الصّلاةُ والسّلام عِندما دعَوا أقوامَهُم، دعَوهُمْ وهُمْ مُعتزّونَ بِاللهِ تعالى عنهُم، ولمْ يسألُوهُم مِنْ حُطامِ الدُّنيا شيئًا، فقالَ قائلُهُم: {قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} [2] ، وقدْ قال القرطبيُّ في تفسيرِها:"قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: الْمَعْنَى إِلَّا أَنْ يَتَوَدَّدُوا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَتَقَرَّبُوا إليه بطاعته، فالقربى عَلَى هَذَا بِمَعْنَى الْقُرْبَةَ. يُقَالُ: قُرْبَةٌ وَقُرْبَى بِمَعْنًى، كَالزُّلْفَةِ وَالزُّلْفَى. وَرَوَى قَزَعَةُ بْنُ سُوَيْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَى مَا آتَيْتُكُمْ بِهِ أَجْرًا إِلَّا أَنْ تَوَادُّوا وَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ" [3] ."
(1) المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 1. ص 285.
(2) سورة الشورى: الآية (23) .
(3) القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين. الجامع لأحكام القرآن تفسير القرطبي. (مرجع سابق) . ج 16. ص 22.