وإنْ كَانَتِ المَعْصِيةُ تَتَعَلقُ بآدَمِيٍّ فَشُرُوطُهَا أرْبَعَةٌ: هذِهِ الثَّلاثَةُ, وأنْ يَبْرَأ مِنْ حَقّ صَاحِبِها, فَإِنْ كَانَتْ مالًا أَوْ نَحْوَهُ رَدَّهُ إِلَيْه, وإنْ كَانَت حَدَّ قَذْفٍ ونَحْوَهُ مَكَّنَهُ مِنْهُ أَوْ طَلَبَ عَفْوَهُ, وإنْ كَانْت غِيبَةً استَحَلَّهُ مِنْهَا. ويجِبُ أنْ يَتُوبَ مِنْ جميعِ الذُّنُوبِ, فَإِنْ تَابَ مِنْ بَعْضِها صَحَّتْ تَوْبَتُهُ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ مِنْ ذلِكَ الذَّنْبِ, وبَقِيَ عَلَيهِ البَاقي" [1] ."
وزادَ المٌصنِّفُ -رحِمَهُ اللهُ- شرطًا خامِسًا، نقَلَهُ عنِ ابنِ عقِيلٍ رحِمهُ اللهُ، فَقالَ:"وَأَنْ يَكُونَ إذَا ذَكَرَهَا انْزَعَجَ قَلْبُهُ، وَتَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ وَلَمْ يَرْتَحْ لِذِكْرِهَا وَلَا يُنَمِّقُ فِي الْمَجَالِسِ صِفَتَهَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ تَوْبَةً" [2] .
ثُمّ أشارَ المُصنِّفُ -رحِمهُ الله- إِلَى أنَّهُ يُستحَبُّ للتّائِبِ مُفارقَةُ الأصحابِ الّذينَ كانُوا يحُثُّونَهُ عَلَى الشرِّ فقالَ:"فَصْلٌ فِيمَا عَلَى التَّائِبِ مِنْ قَضَاءِ الْعِبَادَاتِ وَمُفَارَقَةِ قَرِينِ السُّوءِ وَمَوَاضِعِ الذُّنُوبِ" [3] .
وذَكَرَ المُصنِّفُ -رحِمَهُ اللهُ- فِي هَذَا الفَصْلِ مَا جاءَ:"فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، فِي الَّذِي قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ وَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ الْعَالِمُ: مَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَاعْبُدْ اللَّهَ تَعَالَى مَعَهُمْ وَلَا تَرْجِعْ إلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ"، قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ: فِي هَذَا اسْتِحْبَابُ مُفَارِقَةِ التَّائِبِ الْمَوَاضِعَ الَّتِي أَصَابَ فِيهَا الذُّنُوبَ وَالْإِخْوَانَ الْمُسَاعِدِينَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَمُقَاطَعَتِهِمْ مَا دَامُوا عَلَى حَالِهِمْ، وَأَنْ يَسْتَبْدِلَهُمْ بِصُحْبَتِهِ أَهْلَ الْخَيْرِ وَتَتَأَكَّدُ بِذَلِكَ تَوْبَتُهُ" [4] ."
فينبَغِي التأدُّبُ بِهَذا الأدَبِ، كيْ تتعوّدَ النُّفوسُ علَى عَدَمِ الاستِمرارِ علَى الخَطَإ.
(1) النووي، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي. رياض الصالحين. تحقيق شعيب الأرنؤوط. مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان. ط 3. 1419 ه/1998 م. ج 1. ص 33 - 34.
(2) المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 1. ص 137.
(3) (المرجع السابق) : ج 1. ص 119.
(4) المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 1. ص 119.