ويرجِّح، ويجتهدُ، وحُقَّ له ذلك، فإنَّ شُروط الاجتهادِ كانتْ قدِ اجتمعتْ فيه، فإنِّني ما رأيتُ أسرعَ انتزاعًا للآياتِ الدّالةِ على المسألةِ الّتي يوردُها مِنه، ولا أشدَّ استحضارًا لمتون الأحاديثِ، وعزوِها إلى الصَّحيحِ أوِ إلى المسندِ أو إلى السُّنن مِنه، كأنّ الكِتاب والسُّنن نصْبَ عينيه، وعلى طرفِ لِسانه، بعبارةٍ رشيقةٍ، وعينٍ مفتوحةٍ، وإفحامٍ للمُخالف، وكان قوّالًا بالحق، نهّاءً عنِ المنكر، لا تأخُذُه في الله لومةُ لائم، ذَا سطوةٍ وإقدام، وعدمِ مُداراةِ الأغيار" [1] ."
أثر هذا العامل على فكر الإمام ابن مفلح رحمه الله:
يتّضح هذا التأثر الفكريّ جليًّا في الإمامِ ابن مُفلح -رحمه الله- من خلال هذا المُصنَّفِ الّذي بين أيدِينا، خُصوصًا وأنّ المصنِّفَ -رحمه الله- من تلاميذ ابن تيمية، وأقرانِ ابن القيّم، وقد شهدا لهُ بالعلم والمعرفة والبراعة كما تقدّم في التعريف بالمؤلف.
ويتضح هذا التأثر الفكري في الكتاب من حيثُ طريقة الإستدلال بالكتاب والسنة وما ورد عن السلف الصالح في المسائل، وكذا مُحاربتهُ للبدع والمحدثات في الدين، ودعوته إلى السير على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.
إنّ حُروبًا استمرّت قرنينِ من الزّمن هُما القرنانِ السّادِسِ والسّابِع، وغزوًا استيطانيًا مُريعًا قدْ دَمَّر دونما شكّ الكثيرَ مِن الموروث الأدبيِّ والعلميّ والحضاريّ، ومَعَ إطلالةِ القرنِ الثّامِنِ الهجريِّ أدركَ الأدباءُ والعُلماءُ والمؤرِّخون العربَ المسلمونَ أهميةَ الحِفاظِ عَلى هَذا التُّراثِ العِلميِّ الإسلاميِّ العظيم، فَنَهدوا إلى تصنيفِ موسوعاتٍ كُبرى وفنونٍ علميّةٍ حِفاظًا عليهِ مِن الضّياعِ والتبدُّد، وهكذا بَدَأَ عصرُ الموسوعاتِ والمتونِ العِلميّةِ والشُّروحِ على المتُون، وهِي السِّماتُ البارزةُ في النَّتاجِ الأدبيِّ والعلميّ خَلالِ القَرنِ الثّامنِ الهِجريّ، فأصبحَ هذا القرنُ قرنًَا زاخِرًا بالمؤلّفاتِ والتّصانِيفِ الّتي لا مَثيلَ لهَا.
(1) الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي. ثلاث تراجم نفيسة للأئمة الأعلام ابن تيمية والحافظ علم الدين البزرالي والحافظ جمال الدين المزي. تحقيق: محمد بن ناصر العجمي. دار ابن الأثير - الكويت. ط 1. 1415 ه - 1995 م. ج 1. ص 23.