فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 269

سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ صِيَاحُ كُلِّ شَيْءٍ تَسْبِيحُ لِلَّهِ إلَّا الْحِمَارَ فَإِنَّهُ يَنْهَقُ بِلَا فَائِدَةٍ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ" [1] ."

وهَذا الأدبُ مُتعلِّقٌ بِالأدبِ الّذي ذكَرَهُ الباحِثُ قبلَهُ، فالتّواضُعُ ضِدّ الكِبرِ، والكِبرُ مِنْ صِفاتِ إبليسَ لعنهُ اللهُ، قال تعالى: {إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ} [2] ، واللهُ عزّوجلّ ذكرَ فِي غيرِ ما آيةٍ مِنْ كِتابِهِ أنّ هذِهِ الصِّفةَ مِنْ صِفاتِ الكافِرين، وذكرَ اللهُ جلّ وعلا فِي آياتٍ أُخرى أنّهُ لا يُحِبُّ منِ اتّصفَ بِهذِهِ الصِّفةِ السيّئةِ، فقالَ تعالى: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} [3] ، والكِبرُ بسبِبِهِ أُخرِجَ إبليسُ مِنَ الجنّةِ، وهُوَ مِنْ الأُصولِ الّتي تتفرّعُ مِنها المعاصِي، قال حاتمٌ الأصمّ:"أَصْلُ الطَّاعَةِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: الْحُزْنُ، وَالرِّضَا، وَالْحُبُّ، وَأَصْلُ الْمَعْصِيَةِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: الْكِبْرُ، وَالْحِرْصُ، وَالْحَسَدُ" [4] .

وعدمُ الكِبرِ علَى العِلمِ والمُعلِّمِ مِنَ الآدابِ المُهمّةِ للمتَعلِّمِ للسَّيرِ فِي طرِيقِ العِلمِ، قَالَ مُجَاهِدٌ:"لاَ يَتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَحْيٍ وَلاَ مُسْتَكْبِرٌ" [5] .

وحتّى وإنْ كانَ المُعلِّمُ صغيرَ العُمُر، فلهُ حقُّ الإكرامِ والتوقيرِ والتواضُعِ، وكمْ مِنَ العُلماءِ الّذينَ توفّاهُمُ اللهُ وهُم لمْ يبلُغُوا سنَّ الأربعينَ، يقولُ الإمامُ ابنُ مُفلِحٍ -رحمه الله-:"وَفِي فُنُونِ ابْنِ عَقِيلٍ وَجَدْت فِي تَعَالِيقِ مُحَقِّقٍ أَنَّ سَبْعَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ مَاتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَهُ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، فَعَجِبْت مِنْ قُصُورِ أَعْمَارِهِمْ مَعَ بُلُوغِهِمْ الْغَايَةَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ، فَمِنْهُمْ الْإِسْكَنْدَرُ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَقَدْ مَلَكَ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ، وَأَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ صَاحِبُ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَابْنُ الْمُقَفَّعِ صَاحِبُ الْخَطَابَةِ وَالْفَصَاحَةِ، وَسِيبَوَيْهِ صَاحِبُ التَّصَانِيفِ وَالتَّقَدُّمِ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَأَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ فِي عِلْمِ الشِّعْرِ، وَإِبْرَاهِيمُ النِّظَامُ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، وَابْنُ"

(1) المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 2. ص 111.

(2) سورة ص: الآية (74) .

(3) سورة النحل: الآية (23) .

(4) البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخراساني، أبو بكر البيهقي. شعب الإيمان. تحقيق عبد العلي عبد الحميد حامد. فصل في التواضع وترك الزهو والصلف. ج 10. ص 498.

(5) البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري: الجامع المسند الصحيح. (مرجع سابق) . باب الحياء في العلم. ج 1. ص 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت