وأشارَ المصنِّفُ -رحمه الله- إلى طريقةِ دقِّ البابِ عِندَ الإستئذانِ فقالَ:"وَلَا يَدُقُّ الْبَابَ بِعُنْفٍ لِنِسْبَةِ فَاعِلِهِ عُرْفًا إلَى قِلَّةِ الْأَدَب" [1] .
وأيضًا فقدْ أشارَ المصنِّفُ إلى أدَبٍ عظيمٍ معَ المعلِّمِ عِندَ الاستئذان عليهِ، فقالَ:"وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: مَا اسْتَأْذَنْت قَطُّ عَلَى مُحَدِّثٍ كُنْت أَنْتَظِرُ، حَتَّى يَخْرُج إلَيَّ، وَتَأَوَّلْتُ قَوْله تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [2] " [3] ، وهذا الجُزءَ مِنْ الأدَبِ عند الاستئذانِ، هوَ مِنْ بابِ الكَمَالاتِ والدَّقائِقِ الّتي لا يُحسِنُها إلّا القليلُ مِنْ المُتعلِّمينَ.
حُقُوقُ المُعلِّمِ على المتعلِّمِ كثيرةٌ، ومسألةُ القيامِ للمُعلِّمِ، أوِ القادمِ مِنْ الخارجِ، مسألَةٌ فِقهيّةٌ اِختلفَ فِيها أهلُ العِلمِ، وقدْ نقلَ هذا الاختلاف الإمامُ ابنُ مُفلِحٍ -رحِمهُ الله- ما بينَ المُجِيزِ بِحُكمِ العادةِ والزّمانِ، ومَا بينَ المُحرِّمِ بِنَصِّ الدّليلِ، وسيَعرِضُ الباحِثُ الرأيَ الفِقهيّ الأوّلَ، بحُكمِ تعلُّقِهِ بِالموقِفِ التربويِّ، ولرفعِ الحرجِ عنْ المُتعلِّمينَ فِي بعضِ الدولِ الإسلاميّة، والّتي يُلزَمُ المُتعلِّمُ فيها بِالقيامِ للمعلِّمِ عِندَ دُخُولِهِ الفصلَ، وقدْ أشارَ المصنِّف -رحمه الله- إلى عدمِ كراهةِ القيامِ للعالِمِ فقال:"وَيُكْرَهُ الْقِيَامُ لِغَيْرِ سُلْطَانٍ وَعَالِمٍ وَوَالِدٍ ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ وَقِيلَ سُلْطَانٍ عَادِلٍ وَزَادَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَلِغَيْرِ ذِي دِينٍ وَوَرَعٍ وَكَرِيمِ قَوْمٍ وَسِنٍّ فِي الْإِسْلَامِ وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَا يُسْتَحَبُّ الْقِيَامُ إلَّا لِلْإِمَامِ الْعَادِلِ وَالْوَالِدَيْنِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْوَرَعِ وَالْكَرَمِ وَالنَّسَبِ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ" [4] .
ثمّ نقلَ عنِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وابنِ تيميَةَ، بأنّ الحُكمَ جرَى للعادةِ، فقال: قال ابنُ الجوزيِّ":وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا خَرَجَ لَا يَقُومُونَ لَهُ لِمَا يَعْرِفُونَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ. وَهَذَا كَانَ شِعَارَ السَّلَفِ ثُمَّ صَارَ تَرْكُ الْقِيَامِ كَالْإِهْوَانِ بِالشَّخْصِ، لِذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَامَ"
(1) (المرجع السابق) : ج 2. ص 16.
(2) سورة الحجرات: الآية (5) .
(3) المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 2. ص 88.
(4) المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 2. ص 24 - 25.