الحَقِيقةُ لا بدَّ أنْ تكونَ أمامَ عينيِ المُتعلِّمِ, فإذَا تبيّنَ لهُ ذلِك، فإنّهَا تُسهِّلُ مهَمّتهُ فِي تقبُّلِ أخطاءِ المُعلِّمِ إنْ حصَلَ خطَاٌ مِنهُ, فيتعامُلُ المتعلِّمُ معَ المُعلِّمِ أنّهُ بشرٌ يُصيبُ ويُخطيء، ويتأصّلُ لديهِ أنّ المُعلِّمَ ليسَ معصُومًا من الأخطاء.
وإذا علِمَ ذلِك ينبغِي عليهِ أنْ يعلَمَ أيضًا أنّهُ إذا أخطأَ مُعلِّمُهُ فلا ينبَغِي عليهِ أنْ يطعَنَ فِيهِ، أوْ يعترِضَ عليهِ بِفضاضةٍ، أوْ يلمِزَهُ بالنّقصِ، لأنّ العَيبَ لنْ يلحقَ المُعلِّم بلْ سيلحقُ المُتعلِّمِ، بسببِ تطاوُلِهِ على أهلِ العِلم، يقولُ ابنُ عساكِرَ -رحمه الله-:"وَاعْلَم يَا أخي وفقنَا الله وَإِيَّاك لمرضاته وجَعَلنَا وإيّاكَ مِمَّن يخشاه ويتقيه حق تُقَاته إِنّ لُحُوم الْعلمَاء رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِم مَسْمُومَة وَعَادَة اللَّه فِي هتك أَسْتَار منتقصيهم مَعْلُومَة لِأَنَّ الوقيعة فيهم بِمَا هم مِنْهُ برَاء أمره عَظِيم والتنَاول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم والاختلاق على من اخْتَارَهُ اللَّه مِنْهُم لنعش الْعلم خلق ذميم" [1] .
وقدْ أشارَ إلى هذا الأدبِ المُصنِّفُ -رحِمهُ الله- فقالَ:"قَالَ ابنُ عَقِيلٍ: فَاحْذَرْ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الطَّعْنِ عَلَى الْعُلَمَاءِ مَعَ عَدَمِ بُلُوغِك إلَى مَقَامَاتِهِمْ" [2] .
ثمّ بيّنَ الإمامُ ابنُ مُفلحٍ -رحمه الله- كيفَ ينبغِي التعامُلُ معَ خطأِ العالِمِ وزلّتِهِ مِنْ قِبَلِ المُتعلِّمِ، فقالَ:"قَالَ ابْنُ الْبَنَّا: فَإِذَا بَدَا لَك مِنْ عَالِمٍ زَلَّةٌ فَاسْأَلْهُ عَنْ حُكْمِ مَن فَعَلَ كَذَا فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ أَبْدَاهُ فَتَخَلَّصْت مِنْ إثْمِ غَيْبَتِهِ أَوْ خَطَرِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا عَرَفَ الْحَقَّ عَلَى نَفْسِهِ وَعَرَفَ مَغْزَى كَلَامِك وَأَنَّك تُنْكِرُ عَلَيْهِ وَبِهَذِهِ الطَّرَائِقِ أَدَّبَ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدَهُ دَاوُد - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي النَّعْجَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ" [3] .
(1) ابن عساكر، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر. تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري. دار الكتاب العربي - بيروت. ط 3. 1404. ج 1. ص 29.
(2) المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 1. ص 359.
(3) (المرجع السابق) : ج 4. ص 131.