إلَيْهِ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ فَلْيَقْبَلْ عُذْرَهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ كَذِبَهُ" [1] ، ثمّ أشَارَ المُصنِّفُ -رحِمهُ الله- إلى أنّهُ ينبغِي علَى الصّديقِ أنْ لا يُكثِرَ مُحاسبَةَ صدِيقِهِ علَى كلِّ صَغِيرَةٍ وكبيرَةٍ، قالَ:"وَقَالَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ: مَنْ لَكَ بِأَخِيكَ كُلِّهِ؟ لَا تَسْتَقْصِ عَلَيْهِ فَتَبْقَى بِلَا أَخٍ، وَقَالَ عَمْرٌو: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَعْقَلُ النَّاسِ أَعْذَرُهُمْ لَهُمْ" [2] ."
وهَذا ما ينبغِي أنْ يتحلّى بهِ المعلِّمُ والمُتعلِّمُ منَ الاعتِذارِ عِندَ الوقُوعِ فِي الخطأِ مِنْ قِبلِ الطّرَفينِ جميعًا، كيْ يبقى الوفاءُ والأُلفةُ وصفاءُ النُّفُوسِ.
العفو قبل أن يكون من أخلاق المعلمين والمتعلّمين فهو من شيَم العرب الّتي تعارفوا عليها قبل الإسلام وبعده، والعفو خيرٌ كلُّه، والعافي أجره عند الله عظيم، لذلك كان من أعظم الخِصال الّتي ينبغي أن يتحلّى بها المنتسبون للعملية التعليميّة، والخطأُ واردٌ من كِلا الطّرفين، لكنّ العافي هو الفائز بالأجر والشّرف والمقامِ الرّفيعِ في الدّنيا والآخرة.
وقد نبّه المُصنِّفُ -رحِمهُ الله- إلى هذا الأدب فقال:"فَصْلٌ فِي الْعَفْوِ عَمَّنْ ظَلَمَ وَجَعْلِهِ فِي حِلٍّ"، ثمّ قال-رحمه الله-:"قَالَ صَالِحٌ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي يَوْمًا فَقُلْتُ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى فَضْلٍ الْأَنْمَاطِيِّ فَقَالَ لَهُ: اجْعَلْنِي فِي حِلٍّ إذَا لَمْ أَقُمْ بِنُصْرَتِكَ، فَقَالَ فَضْلٌ: لَا جَعَلْتُ أَحَدًا فِي حِلٍّ، فَتَبَسَّمَ أَبِي وَسَكَتَ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ قَالَ لِي مَرَرْتُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [3] ، فَنَظَرْتُ فِي تَفْسِيرِهَا فَإِذَا هُوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنِي الْمُبَارَكُ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ: إذَا جَثَتْ الْأُمَمُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَنُودُوا: لِيَقُمْ مَنْ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَا يَقُومُ إلَّا مَنْ عَفَا فِي الدُّنْيَا قَالَ أَبِي: فَجَعَلْتُ الْمَيِّتَ فِي حِلٍّ مِنْ ضَرْبِهِ إيَّايَ، ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ: وَمَا عَلَى رَجُلٍ أَنْ لَا يُعَذِّبَ اللَّهُ تَعَالَى بِسَبَبِهِ أَحَدًا، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: وَهُوَ يُدَاوِي اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْهُمْ: فَلَمَّا بَرِئَ ذَكَرَهُ حَنْبَلٌ لَهُ فَقَالَ: نَعَمْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ قَرَابَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ، وَقَدْ جَعَلْتُهُ"
(1) (المرجع السابق) : ج 1. ص 388.
(2) (المرجع السابق) : ج 1. ص 389.
(3) سورة الشورى: الآية (40) .