هَذَا الحَديثُ الشّريُف يوضِّحُ الطَّبيعةَ البَشرِيّةِ فهي تخطِئُ وتُصيبُ وليسَ أحدٌ مَعصومًا إلّا مَنْ ثبتت عِصمتُهُ كنبيِّنا محمدٍ - صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ - فأبوبكرٍ وعمرُ كانا عَلى رأسِ الصَّحابةِ وهُمْ الأفضلُ على التّرتيبِ، ومِنْ أكثرِ الصّحابَةِ رِضوانُ اللهِ عليهِم قربًا مِن النَّبيِّ - صلَّى الله عليهِ وسلَّم - ومِنَ خاصَّته ووزراءهِ وخُلفاءِهِ مِنْ بعدِهِ ومعَ ذَلكَ حدَثَ بينهُم مِن سُوءِ التَّفاهُمِ مَا أثَارَ الغَضَبَ بينهُم، وهذا ليسَ قدحًا فِي هذينَ الصّحابيّيِنِ الجليلينِ، وإنّما هوَ بيانٌ بأنّ الخطَأَ مِن طبيعةِ البشرِ، وأنّهُ ينبغِي عَلَى المُخطيءِ أنْ يعتذِرَ عِندَ حُصُولِ الخطأِ.
وقدْ أشارَ المُصنِّفُ -رحمه الله- إلَى أنّهُ ينبغِي علَى منْ أُخطيءَ فِي حقِّهِ، ثمّ اعتذَرَ إليهِ المُخطيءُ أنْ يقبلَ عُذرَهُ، قالَ المُصنِّفُ -رحمه الله-:"قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا شَتَمَنِي فِي أُذُنِي هَذِهِ وَاعْتَذَرَ إلَيَّ فِي أُذُنِي الْأُخْرَى لَقَبِلْتُ عُذْرَهُ" [1] .
قال المصنف -رحمه الله-:"وَكَانَ يُقَالُ: مَنْ وُفِّقَ لِحُسْنِ الِاعْتِذَارِ خَرَجَ مِنْ الذَّنْبِ" [2] .
ثمّ وجّهَ المُصنِّفُ -رحمه الله- إلَى أنّهُ ينبغِي على المُخطيءِ الاعتِذارُ بِلا اختِلاقٍ للأعذارِ، لأنّ الخطأ لا يسلمُ مِنهُ أحدٌ مِنَ النَّاسِ:"وَقَالَ الْأَحْنَفُ: إيَّاكَ وَمَا تَعْتَذِرُ مِنْهُ فَإِنَّهُ قَلَّمَا اعْتَذَرَ أَحَدٌ فَيَسْلَمُ مِنْ الْكَذِبِ" [3] .
وأشارَ المُصنِّفُ إلَى أنّ مَنْ أُخطيءَ عليهِ ثمَّ اعتَذَرَ مِنهُ المُخطيءُ، فينبغِي عليهِ أنْ يقبَلَ معذِرَتَهُ، قالَ المصنِّف:"وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْن مِينَاءَ عَنْ جُوذَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ اعْتَذَرَ إلَى أَخِيهِ بِمَعْذِرَةٍ لَمْ يَقْبَلْهَا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ خَطِيئَةِ صَاحِبِ مَكْسٍ" [4] ، وذَكَرَ المُصنِّفُ عنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ:"رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ اعْتَذَرَ"
(1) المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 1. ص 388.
(2) (المرجع السابق) : ج 1. ص 388.
(3) (المرجع السابق) : ج 1. ص 388.
(4) (المرجع السابق) : ج 1. ص 388.