وفِي موضِعٍ آخرَ قالَ المصنِّف -رحمه الله-:"وَقَالَ الْبَرْبَهَارِيُّ الْمُجَالَسَةُ لِلْمُنَاصَحَةِ فَتْحُ بَابِ الْفَائِدَةِ، وَالْمُجَالَسَةُ لِلْمُنَاظَرَةِ غَلْقُ بَابِ الْفَائِدَةِ. انْتَهَى كَلَامُهُ" [1] .
مهْمَا فعلَ المُتعلِّمُ معَ مُعلِّمِهِ مِن جمِيلِ الصّنائِعِ، وحسَنِ الذِكرِ، فلنْ يوفَّيَهُ حقّهُ، فالمعلِّمُ هوَ السببُ بعدَ اللهِ تعالى في جعلِ المتعلِّمِ يعيشُ معَ العِلمِ، وهوَ الّذي باحَ لهُ بأسرارِ النّجاحِ، وأنارَ لهُ الطُّرُق المُظلِمة، وشدّ على يديهِ فِي أوّلِ مراحِلِ حياتِهِ العِلميّة، وهوَ الّذي زَرَعَ فِي قلبِهِ الأمَلْ، وغرسَ فِي نفسِهِ الثِّقة، فأثمَرَ جسدُهُ بِنورِ الحياةِ، وتدفّقتْ مِنهُ ينابِيعُ الحِكمةِ والعِلمِ.
لِذا، فَما أجملَ أن يتخلّقَ المُتعلِّمُ بالشُّكرِ لله تعالى أوّلًا فهوَ مُسدِي النِّعم، ثُمّ يشكرُ معلِّمَهُ بعدَ شُكرِ اللهِ تعالى.
وقدْ قالَ المصنِّفُ -رحمه الله-:"فَصْلٌ مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَا يَشْكُرُ اللَّهَ"ثمّ ذكرَ:"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرْفُوعًا"لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ"إسْنَادٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ شُكْرَ الْعَبْدِ عَلَى إحْسَانِهِ إلَيْهِ إذَا كَانَ الْعَبْدُ لَا يَشْكُرُ إحْسَانَ النَّاسِ وَيَكْفُرُ أَمْرَهُمْ؛ لِاتِّصَالِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ بِالْآخَرِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَنَّ مَنْ كَانَ عَادَتُهُ وَطَبْعُهُ كُفْرَانَ نِعْمَةِ النَّاسِ وَتَرْكَ شُكْرِهِ لَهُمْ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ كُفْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَرْكُ الشُّكْرِ لَهُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ كَانَ كَمَنْ لَا يَشْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَّ شُكْرَهُ كَمَا تَقُولُ لَا يُحِبُّنِي مَنْ لَا يُحِبُّكَ أَيْ: أَنَّ مَحَبَّتَكَ مَقْرُونَةٌ بِمَحَبَّتِي فَمَنْ أَحَبَّنِي يُحِبّكَ، وَمَنْ لَا يُحِبُّكَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُحِبَّنِي" [2] .
والشُّكرُ يكونُ بِإحدى طرِيقتين:
أ الشيءِ الملمُوس:
(1) (المرجع السابق) : ج 1. ص 271.
(2) المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 1. ص 400.