فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 269

بلوغِ غايتِه من أداءِ رِسالتِه" [1] ، وقدْ كانَ بذلُ الجُهدِ في تعليمِ التّلاميذِ واحترامُهُم وتوقيرُهُم وإجلالُهُم منهجًا ثابِتًا لأصحابِ محمد - صلى الله عليه وسلم - قال ابنُ مُفلح - رحمه الله:"وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِحَلْقَةٍ قَدْ جَلَسُوا إلَى جَانِبِ الْكَعْبَةِ فَلَمَّا قَضَى طَوَافهُ جَلَسَ إلَيْهِمْ، وَقَدْ نَحَّوْا الْفِتْيَانَ عَنْ مَجْلِسِهِمْ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا أَوْسِعُوا لَهُمْ وَأَدْنُوهُمْ وَأَلْهِمُوهُمْ، فَإِنَّهُمْ الْيَوْمَ صِغَارُ قَوْمٍ يُوشِكُ أَنْ يَكُونُوا كِبَارَ قَوْمٍ آخَرِينَ قَدْ كُنَّا صِغَارَ قَوْمٍ أَصْبَحْنَا كِبَارَ آخَرِينَ"، ثمّ أيّدَ ابنُ مُفلحٍ هذا المنهج الأصيلَ في التّربيةِ الإسلاميّة، والّذي يقومُ عَلى بذلِ الجُهد للمتعلِّم وتوقيرُهُ وإجلالُه فقال بعد قصّة عمرو بن العاص:"وَهَذَا صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ"ثمّ ذكر السبَبَ في هذا البذلِ والعَطاءِ والتوقيرِ للمُتعلّمِ فقالَ:"وَالْعِلْمُ فِي الصِّغَرِ أَثْبَتُ فَيَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِصِغَارِ الطَّلَبَةِ لَا سِيَّمَا الْأَذْكِيَاء الْمُتَيَقِّظِينَ الْحَرِيصِينَ عَلَى أَخْذِ الْعِلْمِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ عَلَى ذَلِكَ صِغَرُهُمْ أَوْ فَقْرُهُمْ وَضَعْفُهُمْ مَانِعًا مِنْ مُرَاعَاتِهِمْ، وَالِاعْتِنَاءِ بِهِمْ" [2] ."

"يتّجِه التّعليمُ المعاصِرُ إلى تشجيعِ الطُّلّاب على المبَادَرَة، والفرديّة، والتلقائيّةِ في النِّقاش، والجرأةِ في الحِوار، وُمسَاعدة المتعلّمينَ على إبرازِ ما لديهمْ مِن مَعلوماتٍ، وقُدُراتٍ، وأسئلةٍ، وأفكارٍ، وإبداعاتٍ، وهذه المبادئُ لا بدَّ مِنْ أنْ تنطلقَ مِن المعلِّم" [3] .

وبعدَ أنِ انتشرَ التعليمُ على شكلِهِ في الوقتِ الحاضِر، تحوّلَ التعليمُ في حُقبةٍ مِنَ الزّمن إِلى مَا يُشبِهُ السِّجن في الصّرامةِ والشّدّةِ واسْتِخدامِ الأساليبِ القمْعيّةِ الّتي لا تصلُحُ أنْ يُتعاملَ بِها مع التلاميذ، فتجاوزتِ الحدّ، وأخرجَتْ تلاميذَ حمَلَ بعضُهُم صِفاتِ التوتُّر والخُنوع وعدمِ الثِّقةِ بالنَّفس، معَ كراهةٍ شديدةٍ للتعليم، فلم تأتِ المُخرجاتُ حسبَ ما خُطِّطَ لها، وصارَ هذا الأُسلوبُ القمعيُّ سببًا من الأسْبابِ الّتي أدّت إلى تسرُّب بعضِ التّلامِيذِ مِنَ المدارِسِ،

(1) مكتب التربية العربيّ لدول الخليج. إعلان مكتب التربية العربيّ لدول الخليج لأخلاقِ مهنة التعليم. مكتب التربية العربيّ لدول الخليج. الرياض. 1405 ه. ص 13.

(2) المقدسي، محمد بن مفلح المقدسيّ. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 1. ص 295.

(3) الرباح، عبداللطيف عبدالعزيز الرباح: آداب المعلم عند ابن الحاج العبدري. (مرجع سابق) . ص 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت