فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 269

بلْ قدْ أوجبَ المصنِّفُ على العالِمِ إذا لمْ يكُن لديهِ مالٌ يقتاتُ مِنه، أنْ يتكسّبَ كيْ لا يُذلّ نفسهُ لطُلّابِ الدُّنيا، أشارَ إلى ذلك المصنِّف فيما نقلهُ عن ابن الجوزيِّ - رحمهما الله - فقال:

قال ابن الجوزيِّ:"فَإِذَا اتَّفَقَ لِلْعَالِمِ عَائِلَةٌ، وَحَاجَاتٌ وَكَفَّتْ أَكُفُّ النَّاسِ عَنْهُ، وَمَنَعَتْهُ أَنَفَتُهُ مِنْ الذُّلِّ هَلَكَ، فَالْأَوْلَى لِمِثْلِ هَذَا الْعَالِمِ فِي هَذَا الزَّمَانِ الْمُظْلِمِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي كَسْبٍ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ نَسَخَ بِأُجْرَةٍ، وَيُدَبِّرُ مَا يُحَصِّلُ لَهُ، وَيَدَّخِرُ الشَّيْءَ لِحَاجَةٍ تَعْرِضُ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى نَذْلٍ" [1] .

التعليمُ مِهنةٌ ساميةٌ شريفةٌ هي مِهنةُ الأنبياء والمرسلينَ عليهمُ السّلام، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ بَعْضِ حُجَرِهِ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِحَلْقَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَدْعُونَ اللَّهَ، وَالْأُخْرَى يَتَعَلَّمُونَ وَيُعَلِّمُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"كُلٌّ عَلَى خَيْرٍ، هَؤُلَاءِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَدْعُونَ اللَّهَ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ، وَهَؤُلَاءِ يَتَعَلَّمُونَ وَيُعَلِّمُونَ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا"فَجَلَسَ مَعَهُمْ [2] "."

فلا ينبغي أن يدنِّسَ المعلّمُ هذه المِهنةَ بتتبُّعِ شهواتِ الدّنيا وملذّاتِها، لِذا لم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابُهُ من بعده أُجرةً على تعليم النّاس وتفقيهِهم في أمورِ دِينِهِم، وكان همُّهم الأولُ هو تحصيلُ موعودِ الله تعالى في الدّار الآخِرة، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ، قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ"ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ

(1) (المرجع السابق) : ج 1 ص 289.

(2) ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني. سنن ابن ماجه. دار إحياء الكتب العربية. باب فضل العلماء والحث على طلب العلم. ج 1. ص 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت