وقدْ أشارَ المصنِّفُ -رحمه الله- إلى هذا الأدبِ العظيمِ، وهوَ التحلِّي بالأدبِ قبلَ التحلِّي بِالعِلمِ، فقال:"قَالَ فِي الْغُنْيَة بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ جُمْلَةً مِنْ الْآدَابِ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَذِهِ الْآدَابِ فِي أَحْوَالِهِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ تَأَدَّبُوا، ثُمَّ تَعَلَّمُوا وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَلْخِيُّ أَدَبُ الْعِلْمِ أَكْثَرُ مِنْ الْعِلْمِ"، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ إذَا وُصِفَ لِي رَجُلٌ لَهُ عِلْمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَا أَتَأَسَّفُ عَلَى فَوْتِ لِقَائِهِ، وَإِذَا سَمِعْت رَجُلًا لَهُ أَدَبُ الْقَسِّ أَتَمَنَّى لِقَاءَهُ وَأَتَأَسَّفُ عَلَى فَوْتِهِ" [1] ."
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوآ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} " [2] ، قَالَ أَدِّبُوهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ" [3] .
وينبغي على المؤسسات التربويّة أن تُعنى بهذا الجانب أشدّ العناية، فينبغي تربيةُ الأبناء بالأدب قبل تربيتهم بالمعرفة، لإخراج جيلٍ يعرفُ قيمة العلم والعلماء قبل أن يعرف المعرفة.
يُعدُّ تحقيقُ الأمنِ النَّفسيَّ للمُتعلِّمِ أمرً مُهِمًّا دعَتْ وسعَتْ إليهِ التربيةُ الحديثة، معَ أنَّ هَذا الأمرَ قدْ جاءتْ بِهِ الشريعةُ الإسلاميّةُ ودعتِ الفردَ المُسلِمَ إلى تحقيقِهِ في نفسِهِ ممّا يعكِسُهُ على المُجتمعِ بشكلٍ عامّ، فيحلَّ الأمنُ وتنتَشِرَ السكينةُ ويذهبَ الخوفُ وينجلِي الهمّ، قالَ المصنِّفُ -رحمه الله-:"وَفِي لَفْظٍ: لَا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْبَعِثُ إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ" [4] .
(1) المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 4. ص 207.
(2) سورة التحريم: الآية (6) .
(3) المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 4. ص 208 - 209.
(4) (المرجع السابق) : ج 3. ص 401 - 402.