أهم القوى والعوامل المؤثرةِ في فكر الإمامِ ابن مُفلح -رحمه الله-.
أولًا: العامِلُ السياسيِّ:
في القرنينِ السّابِعِ والثّامِن، عصَفَتْ بالدّولةِ الإسلاميّة عواصِفُ سياسيّة، أطاحتْ بدولةِ الخِلافةِ العبّاسيّة في القرنِ السّابِعِ في سنةِ 656 ه على يدِ التّتار، ممّا سبّبَ تمزُّقَ دولةِ الخِلافة، وتعدُّدِ الإماراتِ والوِلايات، وبعد سقوطِ الخِلافةِ العبَّاسيّة في بغدادَ انتقلتْ القوةُ والشوكةُ لمِصرَ وسافَرَ لها الخليفةُ العبّاسيُّ، وقدْ حظيَ باستقبالٍ حافِلٍ، لكنّهُ أفَلَ بِظُهورِ نجم المماليكِ على المسرحِ السياسِيِّ وأخذِهِمْ بزمامِ الأُمور، فلمْ يبقَ منِ اسمِ الخليفةِ إلّا رسْمُه، ولا مِن السُّلطانِ إلّا اسمُه.
ثمّ دخَلَ القرنُ الثّامِنُ والعالم الإِسلاميُّ يعيشُ حالةً لا يُحسَدُ عليها مِنَ الإضطراباتِ والفَوضَى السياسيّةِ، وفي كلِّ بُقعةٍ إِمارةٌ، وفي كلِّ إقليمٍ سُلطانٌ، وأشهَرُ الدّولِ الحاكِمَةِ آنذاك دولةُ الممَالِيكِ بِمِصر.
ويستطيع الواصفُ للحالةِ السياسيّة لِعصرِ ابن مُفلِح، والعصرِ الّذي سبَقه، أن يحدِّد معالمَ هذينِ القرنينِ، بثلاثةِ أمورٍ رئيسة:
أ - غزوُ التّتار للعالمِ الإسلاميّ.
ب - هجومُ الفِرنجةِ على العَالمِ الإسلاميِّ.
ج - الفِتنُ الدّاخلية، وخاصّةً بينَ المماليك والتّتار والمسلمين.
وقد ذكر ابنُ الأثير [1] رحمه الله وصفًا دقيقًا لذلك العصرِ، وهوَ مِن أهلِهِ، فقال -رحمه الله-:"لقد بُلي الإسلامُ والمسلمونَ في هذهِ المدّة بمصائبَ لم يبتلَ بها أحدٌ من الأمم: مِنها هؤلاءِ التّتر: فمِنهم منْ أقبلوا مِن الشّرقِ ففعلوا الأفعالَ الّتي يستعظمُها كلُّ من سمِعَ بها."
(1) ابن الأثير: علي بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري أبو الحسن، المؤرخ الإمام، من العلماء بالنسب والأدب، سكن الموصل، وتجول في البلدان، وعاد إليها وتوفي بها سنة 630 ه، تُراجع ترجمتُه في سير أعلام النبلاء للذهبيّ. دار الحديث- القاهرة. ط 1427 ه-2006 م. ج 16. ص 257.