فتبقى نفسُه في حصنٍ حصينٍ، وعزٍّ منيعٍ لا تُعطي الدنيّة، ولا ترضى بالنّقصِ، ولا تقنعُ بالدُّون.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ:"لاَ يَتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَحْيٍ وَلاَ مُسْتَكْبِرٌ" [1] ، فكلُّ من حملَ في قلبِهِ مِثقالَ ذرّةٍ مِنَ الكِبرِ على العِلم، لمْ يستفِدْ مِنَ العِلمِ مهما طالَ بهِ الزّمن، قالَ المصنِّف -رحمه الله-:"وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَطْلُبُ هَذَا الْعِلْمَ أَحَدٌ بِالْمُلْكِ وَعِزَّةِ النَّفْسِ فَيُفْلِحُ لَكِنَّ مَنْ طَلَبَهُ بِذِلَّةِ النَّفْسِ وَضِيقِ الْعَيْشِ وَخِدْمَةِ الْعِلْمِ وَتَوَاضُعِ النَّفْسِ أَفْلَحَ" [2] ، وقالَ المصنِّف -رحمه الله- في موضِعٍ آخر:"وَبَعْضُ النَّاسِ يَتْرُكُ الصِّفَاتِ الْمَطْلُوبَةَ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الرُّتَبِ الْعَالِيَةِ اتِّكَالًا عَلَى حَسَبِهِ وَنَسَبِهِ، وَفِعْلِ آبَائِهِ" [3] .
ونقلَ المصنِّفُ -رحمه الله- أيضًا عن أَبي الْحَارِثِ أنه قال:"سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ إنَّمَا الْعِلْمُ مَوَاهِبُ يُؤْتِيهِ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقِهِ وَلَيْسَ يَنَالُهُ أَحَدٌ بِالْحَسَبِ وَلَوْ كَانَ بِالْحَسَبِ كَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" [4] ، وقدْ فقِهَ هذا الأدبَ أقربُ النّاسِ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلّم، ومِنهُم ابنُ عمِّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم، وقدْ أشارَ إلى ذلك المصنِّفُ -رحمه الله- فقال:"وَرَوَي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْت لِرِجْلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ: هَلُمَّ فَلْنَسْأَلْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُمْ الْيَوْمَ كَثِيرٌ قَالَ: وَاعَجَبًا لَك يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَتَرَى النَّاسَ يَفْتَقِرُونَ إلَيْك وَفِي النَّاسِ مِنْ أَصْحَاب رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ فِيهِمْ قَالَ: فَتَرَكَ ذَلِكَ وَأَقْبَلْتُ أَنَا أَسْأَلُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْحَدِيثِ فَإِنْ كَانَ لَيَبْلُغُنِي الْحَدِيثُ عَنْ الرَّجُلِ فَآتِي بَابَهُ وَهُوَ قَائِلٌ فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ تَسْفِي"
(1) البخاري، محمد بن إسماعيل. الجامع المسند الصحيح. (مرجع سابق) . باب: الحياء في العلم. =ج 1. ص 38.
(2) المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 2. ص 111 - 112.
(3) (المرجع السابق) : ج 1. ص 284.
(4) (المرجع السابق) : ج 2. ص 152.