البلدان، وقِصصُهم في هذا الشأن معروفةٌ تُراجعُ في مضانِّها من الكُتُب لأنّ هذا ليس مكانًا لبسطِها، وقد نقلَ المصنِّفُ -رحمه الله- في عُلوِّ الهمّةِ أشياءَ مليحةً عنِ العُلماءِ المُسلِمين، فقال:"يقولُ ابنُ الجَوزيّ: وَإِنِّي أُخْبِرُ عَنْ حَالِي، مَا أَشْبَعُ مِنْ مُطَالَعَةِ الْكُتُبِ، وَإِذَا رَأَيْت كِتَابًا لَمْ أَرَهُ فَكَأَنِّي وَقَعْت عَلَى كَنْزٍ، فَلَوْ قُلْت إنِّي قَدْ طَالَعْت عِشْرِينَ أَلْفَ مُجَلَّدٍ كَانَ أَكْثَرَ، وَأَنَا بَعْدُ فِي طَلَبِ الْكُتُبِ فَاسْتَفَدْت بِالنَّظَرِ فِيهَا مُلَاحَظَةَ سِيَرِ الْقَوْمِ وَقَدْرَ هِمَمِهِمْ وَحِفْظِهِمْ وَعَادَاتِهِمْ وَغَرَائِبَ عُلُومٍ لَا يَعْرِفُهَا مَنْ لَمْ يُطَالِعْ" [1] ، ونقلَ في موضِعٍ آخرَ عنِ الإمامِ الشافِعيِّ -رحمه الله- فقالَ:"وَكَانَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُنْشِدُ:"
إذَا رَأَيْت شَبَابَ الْحَيِّ قَدْ نَشَئُوا ... لَا يَحْمِلُونَ قِلَالَ الْحِبْرِ وَالْوَرَقَا
وَلَا تَرَاهُمْ لَدَى الْأَشْيَاخِ فِي حِلَقٍ ... يَعُونَ مِنْ صَالِحِ الْأَخْبَارِ مَا اتَّسَقَا
فَعَدِّ عَنْهُمْ وَدَعْهُمْ إنَّهُمْ هَمَجُ ... قَدْ بَدَّلُوا بِعُلُوِّ الْهِمةِ الْحُمُقَا [2] .
ومِنْ صُورِ الهِمّةِ أيضًا، ما نقلهُ المصنِّفُ عنِ الإمامِ مالكٍ _رحمهما الله-:"وَقَالَ مَالِكٌ رُبَّمَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ، أَوْ نَزَلَتْ الْمَسْأَلَةُ فَلَعَلِّي أَسْهَرُ فِيهَا عَامَّةَ لَيْلِي" [3] .
وممّا يجلبُ العجب أنّ الهمم في هذا الزّمان قدْ قصُرت وضعُفت ورحلت وربّما احترقت، فصارت هُموم شباب الأُمّةِ ومتعلِّميها تقتصر على توافِه الأُمور، بل تشعّبت في بُطونِ أودية الدنيا، ما بين ركضٍ خلف المغنِّين والمُغنيّات، واحتفاظٍ بصورِ لاعبي الكُرة والّلاعبات، وإنترنت وتلفازٍ ومِذياع، حتّى صار المهتّمون بالعلم قلّةً معدودةً لا تكادُ تُسمن ولا تغني من جوع، فحلّ التّأخُّرُ بأمّتنا من بين الأمم، فينبغي على المتعلم أن يترفّع عن سفاسف الأمور، وان تعلوا همّتُه لكي تتحقّق له بُغيته، فالمكارِمُ منوطةٌ بالمكارِه، والمصالحُ والخيراتُ لا تُنالُ إلّا بحظٍ من المشقّةِ، ولا يُعبرُ إليها إلّا على جسرٍ مِنِ التَّعبِ، وعالي الهمَّةِ يعرفُ قدرَ نفسه، وإذا عرفَ المُتعلِّمُ قدر نفسه، صانها عنِ الرّذائلِ، وحفِظها مِن أنْ تُهان، ونزّهها عنْ دنايا الأُمُور،
(1) المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 2. ص 374.
(2) (المرجع السابق) : ج 1. ص 280.
(3) (المرجع السابق) : ج 2. ص 165.