فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 269

كابَدَ السّلفُ الصّالِحُ الصِّعابِ، وتَرَكوا البِلادَ وَالأوْلَادَ، وَجَابوا مَشارِقِ الأرضِ ومغَارِبَها، سعيًا وراء حديثٍ واحدٍ أو لقاءِ شيخٍ أوْ معرفةِ مسألةٍ.

وشَأنُ الرِّحلةِ قديمٌ تليدٌ، بدايةً مِن رِحلةِ نبيِّ اللهِ مُوسى الكليمِ عليهِ وعَلى نبيِّنا أفضلُ الصّلاةِ والتّسليمِ، وقدْ قصّ الله خبرَ رِحلتِهِ فِي القُرآنِ الكريمِ معَ الخِضر، وما كان في رحلتِهِ مِنَ العوائِقِ وَالغرَائِبِ، فبقيتْ الرِّحلةِ سُنَّةً نبويَّةً وشِعارًا لِطلَبَةِ العِلمِ إِلى يومِ الدَّين، وأصحابُ نبيّنا محمدٍ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم مِنهُم مَن قطَعَ مِئاتِ الأميال ليلقَاهُ ويتثبّتَ مِن صِدقِ نبوّتِهِ صلى الله عليه وسلم، ومنهم من سافَرَ إليهِ أو إلى أَصحابِهِ من بعده، مِن البِلادِ البعيدةِ ليسألَ عنْ مسألَةٍ وقَعَتْ لهُ، فهذا"جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بَلَغَهُ حَدِيثٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"يقولُ -رضي الله عنهُ-"فَابْتَعْتُ بَعِيرًا فَشَدَدْتُ إِلَيْهِ رَحْلِي شَهْرًا، حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، فَبَعَثْتُ إِلَيْهِ أَنَّ جَابِرًا بِالْبَابِ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ فَقَالَ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَخَرَجَ فَاعْتَنَقَنِي، قُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي لَمْ أَسْمَعْهُ، خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ أَوْ تَمُوتَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:"يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ - أَوِ النَّاسَ - عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا ... الحديث" [1] ."

فَكَمْ من الأوقاتِ والأعمارِ قضَاها سلفُنَا في طلَبِ العِلمِ بعيدين عنِ الأهلِ والولَدَ، والزّوجةِ والبلدِ، متفرغين للطلب، ومَن لَمْ يعانِ ذلَّ التعلُّم، ويقضي الأعوامَ فِي بَذرِهِ فلنْ يحصُدَ، كمْ تحمّلوا مِن صِعابِ الَفَقْرِ وشظف العيش وصعوبةِ وسائِلِ السَّفَر، فَركِبُوا في تحصِيلِهِ الصَّعبَ والذَّلول، وقطعوا البراري والقِفَار، وامتطوا من أجله المخَاطِرَ والبِحار، ولقوا من الشدائد والأهوال ما الله به عليم، فصَقَلَت تِلكَ المُعاناة نُفُوسهم، وعزَّ العلم عندهُم، ورعوه حقَّ

(1) البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة. الأدب المفرد. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. دار البشائر الإسلامية - بيروت. ط 3. 1409 - 1989. باب المعانقة. ج 1. ص 337.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت