من المستوى في التفكير، يقول ابن مفلح - رحمه الله:"وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ: وَمِنْ صِفَاتِ عُلَمَاءِ الْآخِرَةِ أَنْ يَكُونُوا مُنْقَبِضِينَ عَنْ السَّلَاطِينِ، مُحْتَرِزِينَ عَنْ مُخَالَطَتِهِمْ" [1] ، وقال ابن مفلح - رحمه الله:"كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَأْتِي الْخُلَفَاءَ وَلَا الْوُلَاةَ وَالْأُمَرَاءَ وَيَمْتَنِعُ مِنْ الْكِتَابَةِ إلَيْهِمْ، وَيَنْهَى أَصْحَابَهُ عَنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا نَقَلَهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَكَلَامُهُ فِيهِ مَشْهُورٌ" [2] ، ونقَل أيضًا عن ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ نقدهُ لمن يتّصفُ بهذه الصِّفة فقال:"قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا الْمُحَقِّقِينَ إذَا كَانَتْ مَجَالِسُ النَّظَرِ الَّتِي تَدَّعُونَ أَنَّكُمْ عَقَدْتُمُوهَا لِاسْتِخْرَاجِ الْحَقَائِقِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى عَوَائِرِ الشُّبَهِ وَإِيضَاحِ الْحُجَجِ لِصِحَّةِ الْمُعْتَقَدِ مَشْحُونَةً بِالْمُحَابَاةِ لِأَرْبَابِ الْمَنَاصِبِ تَقَرُّبًا، وَلِلْعَوَامِّ تَخَوُّنًا، وَلِلنُّظَرَاءِ تَعَمُّلًا وَتَجَمُّلًا ... إلى أن قال رحمه الله: فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ مِنْ مُصِيبَةٍ عَمَّتَ الْعُقَلَاءَ فِي أَدْيَانِهِمْ، مَعَ كَوْنِهِمْ عَلَى غَايَةِ التَّحْقِيقِ، وَتَرْكِ الْمُحَابَاةِ فِي أَمْوَالِهِمْ، مَا ذَاكَ إلَّا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشَمُّوا رِيحَ الْيَقِينِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَحْضُ الشَّكِّ، وَمُجَرَّدُ التَّخْمِينِ. انْتَهَى كَلَامُهُ" [3] .
ولكن قد يُستثنى من هذه القاعدة من كان صاحِب حاجةٍ شديدة أو ظروف خاصة، فقد قال ابن مفلح - رحمه الله:"وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ:"إنْ كُنْت لَأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الْآيَةَ هِيَ مَعِي كَيْ يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَنِي قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مُحَادَثَةِ الرَّجُلِ بِشَيْءٍ مِنْ الذِّكْرِ وَالْقُرْآنِ لِقَصْدٍ يَقْصِدُهُ الْإِنْسَانُ يَسْتَجْلِبُ بِهِ نَفْعًا لَهُ أَوْ يَدْفَعُ بِهِ ضَرُورَةً، قَالَ: وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ مُنْكِرٌ" [4] "
(1) المقدسي، محمد بن مفلح المقدسيّ. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 4 ص 130.
(2) (المرجع السابق) : ج 4. ص 128 - 129.
(3) المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 1. ص 270.
(4) (المرجع السابق) : ج 2. ص 209.