كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ" [1] ."
قالَ ابنُ بطّال:"والمرادُ بالحدِيثِ: الحثُّ على التحابِّ في اللهِ والتعاونِ على البِرِّ والتَّقوى، وما يؤدِّي إلى النَّعِيمِ الدَّائِمِ" [2] ، وقال ابنُ رجَبٍ الحنبليُّ -رحمه الله-:"الخصلة الثانية: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، والحب في الله من أصول الإيمان وأعلى درجاته" [3] .
وقدْ أشارَ المصنِّفُ -رحمه الله- إلى أهميّةِ التواصُلِ بينَ الإخوان، وحِفظِ الوِدِّ بينَهُم، وأنّهُ لا ينبغِي أن يشُوبَ عِلاقَتهُمْ شائِبةٌ فتؤثِّرُ علَى الصّديقِ ومودّتِهِ، قالَ المصنِّف:"وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ ذَكَرْت لِأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَوْمًا بَعْضَ إخْوَانِنَا وَتَغَيُّرَه عَلَيْنَا فَأَنْشَأَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ:"
وَلَيْسَ خَلِيلِي بِالْمَلُولِ وَلَا الَّذِي ... إذَا غِبْت عَنْهُ بَاعَنِي بِخَلِيلِ
وَلَكِنْ خَلِيلِي مَنْ يَدُومُ وِصَالُهُ ... وَيَحْفَظُ سِرِّي عِنْدَ كُلِّ خَلِيلِ [4] .
فينبغِي على المُتعلِّمِ أنْ لا يخلِطَ العلم بِما يُعكِّرُ صفوهُ مِنَ المُزاحِ الفظِّ الغليظِ الّذي لا يُحتمَل.
وقد أشارَ المُصنِّفُ -رحِمهُ الله- إلى أهميّةِ المُحافَظَةِ على المودّةِ واجتنابِ الأسبابِ الّتي تقطعُها أوْ تُعكِّرُ صفوَها، فقالَ:"قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَصْحَبَكَ إلَى مَكَّةَ فَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنِّي أَخَافُ أَمَلَّكَ أَوْ تَمَلَّنِي، فَلَمَّا وَدَّعْتُهُ قُلْت يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ تُوصِينِي بِشَيْءٍ قَالَ نَعَمْ أَلْزِمِ التَّقْوَى قَلْبَكَ، وَاجْعَلْ الْآخِرَةَ أَمَامَكَ، وَرَوَى"
(1) البخاري، محمد بن إسماعيل: الجامع المسند الصحيح. (مرجع سابق) . باب: حلاوة الإيمان. ج 1 ص 12.
(2) ابن بطال، أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك. شرح صحيح البخارى لابن بطال. تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم. مكتبة الرشد - السعودية، الرياض. الطبعة: الثانية، 1423 ه - 2003 م. ج 8. ص 294.
(3) ابن رجب، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي. فتح الباري شرح صحيح البخاري. مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة النبوية. ط 1، 1417 ه - 1996 م. باب أمور الإيمان. ج 1. ص 50.
(4) المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 2. ص 353.