وقدْ أشَارَ المُصنِّفُ -رحِمهُ اللهُ- إِلى هَذا الأدَبِ فذَكَرَ قِصّةَ عائِشَةَ رضِيَ اللهُ عنْهَا مَعَ أبْنَاءِ أَخِيهَا والّتي أخْرَجَهَا الإِمَامِ مُسلمٌ في صَحِيحِه [1] ، وأنّ أحدَهَمَا غَضِبَ عَلَيْهَا فَزَجَرَتْهُ وَنَهَتْهُ، ثمّ ذكَرَ المُصنِّفُ -رحِمهُ الله- بعدَ إيرادِهِ القِصّةَ عنِ الإمامِ النّوويِّ -رحِمهُ الله، قَولَهُ:"وَإِنَّمَا قَالَتْ لَهُ غُدَرُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاحْتِرَامِهَا لِأَنَّهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَعَمَّتُهُ وَأَكْبَرُ مِنْهُ وَنَاصِحَةٌ لَهُ وَمُؤَدِّبَةٌ فَكَانَ حَقَّهُ أَنْ يَحْتَمِلَهَا وَلَا يَغْضَبَ عَلَيْهَا انْتَهَى كَلَامُهُ"ثمّ قالَ المُصنِّفُ -رحِمهُ اللهُ-:"وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِلْمُسْتَفِيدِ أَنْ يَصْبِرَ وَيَحْتَمِلَ وَلَا يَغْضَبَ لِئَلَّا يَفُوتَهُ الْعِلْمُ وَلَا يُكْثِرَ مُخَالَفَتَهُ" [2] .
ثمّ ذكرَ قِصّة ابنِ سيرينَ معَ ابنِ عُمرَ رضيَ اللهُ عنهُما، فقالَ:"وَسَأَلَ ابْنُ سِيرِينَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ إطَالَةِ الْقِرَاءَةِ فِي سُنَّةِ الْفَجْرِ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ"قُلْتُ: لَسْتُ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ، فَقَالَ: بَه بَه إنَّك لَضَخْمٌ أَلَا تَدَعُنِي أَسْتَقْرِئُ لَكَ الْحَدِيثَ؟ ثُمَّ ذَكَرَهُ"، ثمّ قالَ المُصنِّفُ -رحِمهُ الله-:"فِيهِ تَأْدِيبُ السَّائِلِ وَالتِّلْمِيذِ"، ثمّ قالَ المُصنِّفُ -رحِمهُ الله-:"وَقَوْلُهُ إنَّك لَضَخْمٌ إشَارَةٌ إلَى الْغَبَاوَةِ وَقِلَّةِ الْأَدَبِ لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ يَكُونُ غَالِبًا وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَطَعَ كَلَامَهُ وَعَاجَلَهُ" [3] ."
ومعَ شِدّةِ مَا قالهُ المُعلِّمُ ابنُ عُمرَ رضي اللهُ عنهُما للمُتعلِّمِ ابنُ سيرِين، إلّا أنّ ابنَ سيرينَ لمْ يُحفظْ عنهُ أنّهُ ردَّ على مُعلِّمِهِ، بلْ كَظَمَهَا وصَبر، فَصَارَ بعدَهَا ابنُ سيرِينَ إمامًا مِنْ أئِمّةِ الدِّينِ، رحِمَ اللهُ الجميعَ.
(1) مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوريّ. المسند الصحيح المختصر. (مرجع سابق) . باب: كراهة الصلاة بحضرة طعام. ج 1. ص 393. رقم الحديث (560) .
(2) المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 2. ص 177.
(3) (المرجع السابق) : ج 2. ص 177.