صرّح - رحمه الله تعالى - بِهذا التنوّع فيما نقلهُ عن ابْن هُبَيْرَةَ أنّه قال:"عِلْمُ الْحِسَابِ وَالطِّبِّ وَالْفِلَاحَة فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ" [1] ، ونقل أيضًا عن الْغَزَالِيِّ فِي كِتَابِهِ فَاتِحَة الْعِلْم أنّه قال:"عِلْمُ الطِّبِّ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَإِنَّهُ لَا يَجُوز تَرْكُ الْمُدَاوَاةِ، وَقَدْ قَالَ حَرْمَلَةُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: شَيْئَانِ أَغْفَلَهُمَا النَّاسُ: الْعَرَبِيَّةُ وَالطِّبُّ، وَقَالَ الرَّبِيعُ: سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُول: الْعِلْمُ عِلْمَانِ: عِلْمُ الْأَدْيَانِ، وَعِلْمُ الْأَبَدَانِ" [2] .
فعلم الأديان يختصُّ بمعرفة الشرائع الإلهيّة المتلقّاة عن طريق الوحي أو ما تعبّدَ به بعضُ البشر من عبادات لم يُنزل بها الله من سلطان، كلُّ هذه داخلةٌ في علم الأديان، أمّا علم الأبدان فهو العلم الذي يُعرف منه أحوال البدن الإنساني لعلاج الأمراض التي تعتريه بدنيًا ونفسيًّا وحفظ الصحة عليها، وهاتان النّعمتان محسُودٌ عليهما الإنسان نعمة الأديان ونعمة الأبدان، وقد أشار المصنفُ -رحمه الله- إلى هذين العِلمين وأنّه ينبغي الإهتمامُ بهما والتكامل بينهما، وهذا منطلقٌ تربويٌّ تنطلقُ منهُ التربية الإسلاميّةُ في تربية وتنشئة أفرادها، حيثُ التكاملُ بين مُتطلّبات الرّوح والجسد، وهو يؤكِّد العلاقة الوطيدة بين هذين المطلبين الّذَين لا يُمكنُ للإنسان الإستغناءُ عن أحدهما.
وكذلِك أشارَ المُصنِّفُ - رحمَهُ الله- في موضِعٍ آخرَ إلى التنوُّعِ والتوازُنِ فِي المُقرّرات، فقال -رحِمهُ الله-:"وَمِنْهَا تَعْلِيمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَسَائِرِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ حِسَابٍ وَنَحْوِهِ بِشَرْطِهِ" [3] ، وقالَ أيضًا في موضِعٍ آخرَ:"وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ عِلْمَ الطِّبِّ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَهَذَا غَرِيبٌ فِي الْمَذْهَبِ" [4] ، وكلُّ ما سبقَ ذِكرُهُ يُشيرُ إلى التنوُّعِ والتوازُنِ بين المقرّرات.
وقدْ نقلَ المصنِّفُ - رحِمهُ الله - عن أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ:"أَنَّ عُرْوَةَ كَانَ يَقُولُ لِعَائِشَةَ:"يَا أُمَّتَاهُ لَا أَعْجَبُ مِنْ فِقْهِكَ، أَقُولُ: زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَابْنَةُ أَبِي
(1) (المرجع السابق) : ج 2. ص 483.
(2) المقدسي، محمد بن مفلح المقدسيّ. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 2. ص 484.
(3) (المرجع السابق) : ج 4. ص 211.
(4) (المرجع السابق) : ج 4. ص 212.