من المعلومِ أنَّ المواد العلمية تتميزُ بالجفافِ في مادَّتِها، وهي تستلزمُ حضورًا عقليًا وقلبيًا، فتجدُ الطَّالب يشحذُ حواسّه كلَّهَا لاستِيعابِ المادّة العلميّة المطروحة، ومهما يتميّزُ به المعلم من حسنٍ في الأداءِ، وجودةٍ في الطرّح، فإنّ عقلَ التّلميذِ لهُ قدرةٌ محدودةٌ في استقبالِ المعلومات، ولذا كان حريًّا بالمعلم أن يُدخل الطرفة والمُزاحَ بين ثنايا الدروس العلميّة لكي يطردَ السآمةَ والملل الذي قدْ يخيّمُ على أجواءِ الفصلِ من جرّاءِ تتابعِ عرضِ الموادّ العلمية، قال المصنِّف - رحمه الله:"وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ النَّاسُ فِي سِجْنٍ مَا لَمْ يَتَمَازَحُوا" [1] .
والمُزاحُ في ثنايا الدرس يطرُدُ السآمة والملل، ويُريحُ ذِهن المتعلِّم قليلًا من عناء المتابعة الدقيقة للمعلم، ويُفيدُ المعلم أيضًا في أخذ قسط من الراحة يُشيرُ إلى ذلك المصنِّف - رحمه الله - فيقول:"مَزَحَ الشَّعْبِيُّ يَوْمًا فَقِيلَ لَهُ يَا أَبَا عَمْرٍو أَتَمْزَحُ قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مُتْنَا مِنْ الْغَمِّ، كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يُدْاعَبُ وَيَضْحَكُ حَتَّى يَسِيلَ لُعَابُهُ فَإِذَا أَرَدْته عَلَى شَيْءٍ مِنْ دِينِهِ كَانَتْ الثُّرَيَّا أَقْرَبُ إلَيْك مِنْ ذَلِكَ" [2] .
والمِزاحُ أيضًا يشحذُ الذِّهن ويُعطيه جرعةً جديدة لمواصلةِ استقبالِ المعلوماتِ، يقول النووي -رحمه الله-:"اِعلم أن المزاحَ المنهيّ عنه هو الذي فيه إفراطٌ ويداومُ عليه، فإنه يورثُ الضحكَ وقسوةَ القلبِ، ويشغلُ عن ذكرِ الله والفكرِ في مهمّاتِ الدِّين، ويؤولُ في كثير من الأوقاتِ إلى الإيذاءِ، ويورثُ الأحقاد، ويسقطُ المهابةَ والوقار، فأمّا ما سلِم من هذهِ الأمور، فهو المباحُ الَّذي كانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يفعلهُ على النُّدرة لمصلحةٍ تطييبِ نفسِ المخاطبِ ومؤانستهِ، وهو سنّة مستحبّةٌ، فاعلَم هذا، فإنّه مما يعظُمُ الاحتياجُ إليه" [3] .
وقدْ أشار إلى ذلك المصنِّف - رحمه الله - فقال:"وَرَوَى الْخَلَّالُ عَنْ أَحْمَدَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ الْمُمَازَحَةُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ. وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا"إنِّي لَأَمْزَحُ وَلَا أَقُولُ إلَّا
(1) المقدسي، محمد بن مفلح المقدسيّ. الآداب الشرعية. (مرجع سابق) . ج 2. ص 338.
(2) (المرجع السابق) : ج 2. ص 338.
(3) القاري، علي بن سلطان القاري. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح. دار الفكر. بيروت-لبنان. ط 1. 1422 ه-2002 م. باب المزاح. ج 7. ص 3061.