والوعي والسلوك. ومن هنا، يشتغل يوري لوتمان على ماهو ثقافي وحضاري واجتماعي، بل إنه يؤسس لسيميوطيقا ثقافية كونية من خلال مؤشرات الفضاء.
هذا، وينتج عن الداخل والخارج عدة ثنائيات متعارضة ومتقابلة، تترجم لنا مختلف العلاقات الموجودة بين الأنا والآخر على المستوى الثقافي.
وعلى العموم، تنبني سيميائية الكون على مفهوم الحدود. بمعنى أن الفضاء الداخلي يتسم بكونه لامتجانسا وغير منسجم وغير موحد. وبالتالي، تفصل الحدود بين الداخل والخارج، بين ضمير المتكلم وضمائر الآخر. ومن ثم، تشير الحدود إلى المجابهة بين الثقافات والذوات والضمائر، مجابهة بين المتكلم المثقف الراقي، والآخر العدواني والعدمي والهمجي. تحيلنا الحدود على ثنائية الأنا والغير، وتبين لنا طبيعة العلاقة التي تجمع بين الذات والغير، هل هي علاقة محبة وصداقة وتعاون وتكامل وتعايش أم هي علاقة عدوان وكراهية وتغريب وإقصاء؟
ويعني هذا أن آلية الحدود من أولى آليات التفريد السيميوطيقي. ومن ثم، تستند الثقافات البشرية إلى التقسيم الثنائي: ثقافة الأنا وثقافة الغير، ضمن نسق ثقافي بشري كوني وكلي. وفي هذا الإطار، يقول لوتمان:"تبدأ كل ثقافة بتقسيم العالم إلى الفضاء الداخلي الخاص"بي"، وفضا"ئهم"الخارجي. الطريقة التي يؤول بها هذا التقسيم الثنائي تتوقف على تيبولوجية الثقافة المعينة. غير أن التقسيم الحقيقي هو الذي ينبع من الكليات الثقافية البشرية." [1]
بمعنى أن كل منظومة ثقافية بشرية تقدم صورا مخيالية عن المنظومات الثقافية البشرية الأخرى على مستوى المحظور والمكروه والمباح. وعلى سبيل المثال، يقدم أدب الرحلات صورا مرآوية حول الآخر، قد تكون هذه الصور موجبة أو سالبة.
(1) - يوري لوتمان: نفسه، ص:36.