الحقائق هي الشيء غير الموجود على وجه الدقة. فهناك فقط تأويلات، مثلما أكد نيتشه، مما خلق التباسا واضحا في مفهوم الإحالة، الذي كان ينعم بالراحة زمن سيادة الفهم الواقعي للعالم، فالوعي الجديد قلل من إمكانية بناء عوالم روائية شمولية، أو وصف العالم الحقيقي بالاكتمال؛ لأن من الصعب، حتى من وجهة نظر شكلية محضة، إنتاج وصف محيط لنظام علاقات مكتمل، فالاحتمالية الأكبر هي الالتجاء إلى نموذج توليفي أو إلى وصف جزئي يمثل مخططا مصغرا لعالم ممكن الوجود يكون جزءا من عالمنا الحقيقي". [1] "
ويعني هذا أن الروائي لاينقل الواقع كما هو في الحقيقة المرجعية، بل ينقل لنا وعيه بهذا الواقع. أي: لا ينقل سوى وعي الواقع. في حين، نجد الواقع أكبر عن التمثيل والمحاكاة الصادقة التامة والكاملة. وهذا ما جعل فيرجينيا وولف تقول:"إن القص هو واقعنا" [2] .أي: إن الروائي الواقعي لم يكن في الحقيقة ينقل واقعه بشكل مطابق وصادق، بل كان ينقل افتراضات واحتمالات تخمينية من باب الفن والجمال.
وعليه، يعتبر القص أو التخيييل أكثر الأشكال التعبيرية احتواء للعوالم الممكنة؛ نظرا لانزياحه عن قواعد المنطق، ثم اتساعه واكتماله. ومن ثم، فالعوالم الممكنة هي عوالم متخيلة ومصدقة ومتأملة. ومن ثم، فهناك عالمان: عالم حقيقي واقعي وعالم تخييلي ممكن. وثمة علاقات بين هذين العالمين، قد تكون علاقة مطابقة أو تماثل أو تشابه أو تضمن أو تضاد أو تناقض.
(1) - أحمد خريس: العوالم الميتاقصية في الرواية العربية، دار الفارابي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2001 م، ص:62 - 63.
(2) - أحمد خريس: العوالم الميتاقصية في الرواية العربية، ص:63.