بذلك بهذا، لأن وجود الأنبياء مما اقتضته الحكمة بلا شبهة، فتمني أن لا يوجد نبي من الأنبياء كفر مطلقا. وأجيب بأن اقتضاء الحكمة ذلك إنما هو لتبليغ الأحكام الإلهية إلى عباده؛ ويمكن أن تبلغ تلك الأحكام إليهم بلا واسطة نبي، فعدم تكون الأنبياء بالتمام لا يستلزم أن تثبت تلك الأحكام حتى يكون تمني ذلك موجبا للكفر، على أن تمني ذلك لغو لا أثر له في الوجود، بخلاف تمني حل الزنا وأمثاله مما يتعلق بأفعال العباد، لأن أمثال ذلك يتضمن الفساد {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205] .
وفيه بحث من وجوه: أما أولا فلأنه لا شك أن وساطة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن حكمة خاصة بهم وإن كان يمكن إعلام الأحكام بدونهم. وأما ثانيا فلأن الفرق غير ظاهر بينهما، بل تمني عدم وجود الأنبياء أعم وأتم من تمني حل الزنا وقتل النفس ونحوهما. وأما ثالثا فلأن تضمنه الفساد لا يوجب كونه كفرا في البلاد والله رؤوف بالعباد، وكذا لو ضحك على وجه الرضا ممن تكلم بالكفر؛ وأما إذا ضحك لا على وجه الرضا بل بسبب أن كان الكلام الموجب للكفر عجيبا غريبا يضحك السامع ضرورة فلا يكفر. وكذا لو جلس على مكان مرتفع وحوله جماعة يسألونه عن مسائل ويضحكون ويضربونه بالوسائد يكفرون جميعا، وذلك لأن هذه الجماعة يجعلون ذلك الشخص مثل النبي صلى الله عليه وسلم، وينزلون الغير منزلة أصحابه الكرام في السؤال عن المسائل بالمسائل والأحكام استهزاء بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه، نعوذ بالله من ذلك.
وكذا لو أمر رجلا أن يكفر بالله أو عزم على أن يأمره بالكفر، وذلك لأنه رضي بالكفر والرضى بالكفر كفر، سواء كان بكفر نفسه أو بكفر