والتكفير مذهب الفقهاء، فلا يتحد القائل بالنقيضين فلا محذور، ولو سلم فيجوز أن يكون الثاني للتغليظ في رد ما ذهب إليه المخالفون، والأول لاحترام شأن أهل القبلة فإنهم في الجملة معنا موافقون.
اعلم أولا أن قبول التوبة: وهو إسقاط عقوبة الذنب عن التائب غير واجب على الله تعالى عقلا، بل كان ذلك منه فضلا خلافا للمعتزلة. فأما وقوع قبولها شرعا، فقيل: هو مرجو غير مقطوع به، ويدل عليه قوله تعالى: {وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} [التوبة: 15] علقه بالمشيئة، ولذا حسن من الله تعالى ومن رسوله تأخير قبول توبة المتخلفين عن الجهاد مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مع إخلاص توبتهم وكثرة بكائهم وشدة ندامتهم، بخلاف التوبة عن الكفر حيث تقبل قطعا عرفناه بإجماع الصحابة والسلف رضي الله عنهم، فإنهم يرغبون إلى الله تعالى في قبول توبتهم عن الذنوب والمعاصي كما في قبول صلاتهم وسائر أعمالهم، ويقطعون بقبول توبة في الكافر، كذا ذكره القونوي.
ويمكن أن يقال: إن عدم جزمهم بتوبة أنفسهم لكونهم غير جازمين بحصول شرائطها إذ هي كثيرة؛ بخلاف التوبة عن الكفر فإن الاعتبار فيه مجرد الإقرار بحسب الظواهر، والله أعلم بالسرائر، ولذا كان السلف خائفين من قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] ، أي حالا أو مآلا والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلا يرد أنه نزل في حق المنافقين. وأما قوله تعالى: {وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} [التوبة: 15] ، فمعناه يوفقه للتوبة بقرينة كلمة (على) ، لا أنه يقبل توبته حيث لم يقل (عن) ، ولقوله تعالى: هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ