خلافا للأشعري لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ، أي طاقتها. واختلف أصحابه في وقوعه، والأصح عدم الوقوع، ثم تكليف ما لا يطاق: وهو التكليف بما هو خارج عن مقدور البشر، كتكليف الأعمى بالإبصار، والزمن بالمشي، بحيث لو أتى به يثاب، ولو تركه يعاقب.
وأما التكليف بما هو ممتنع لغيره كإيمان من علم الله أنه لا يؤمن مثل فرعون وأبي جهل وأبي لهب وسائر الكفار الذين ماتوا على الكفر، فقد اتفق الكل على جوازه ووقوعه شرعا. وأما قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] ، فاستعاذة عن تحميل ما لا يطاق لا عن تكليفه، إذ عندنا يجوز أن يحمله جبلا لا يطيقه، بأن يلقى عليه فيموت، ولا يجوز أن يكلفه بحمل جبل، بحيث لو فعل يثاب، ولو امتنع يعاقب، فلا جرم صحت الاستعاذة منه بقوله تعالى: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا} الآية، [البقرة: 286] وإنما ذكر التحميل في هذه الآية والحمل في الآية الأولى لأن الشاق يمكن حمله، بخلاف ما لا يكون مقدورا.
ثم التحقيق أن للعبد مقامين، أحدهما: قيامه بظاهر الشريعة، وثانيهما: شروعه في مبدأ المكاشفة، وذلك أن يشتغل بمعرفة الله سبحانه وطاعته وشكر نعمته. ففي المقام الأول طلب ترك التثاقل، وفي المقام الثاني قال: لا تطلب مني حمدا يليق بجلالك، ولا شكرا يليق بكمالك، ولا معرفة تليق بحضرتك وعظمتك، فإن ذلك لا يليق بذكري وشكري وفكري، ولا طاقة لي بذلك في جوامع أمري. ولما كانت الشريعة مقدمة على الحقيقة قدم الجملة السابقة.