مدلول الآية تكفير الصغائر بمجرد الاجتناب عن الكبائر، وتعليق المغفرة بالمشيئة في آية أخرى مخصوص بما عدا ما اجتنب معه عن الكبائر. انتهى.
ولا يخفى أن هذا مذهب ثالث مخالف للمذهبين المسمى بالملفق فكيف يحكم بكونه الحق على الوجه المطلق؟ ثم الأظهر أن الخطاب في الآية للمؤمنين، وأن الكبائر على معناها المتعارف مما عدا كفر الكافرين كما يشير إليه قوله تعالى: {كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} [النساء: 31] ، والمعنى: إن تجتنبوا كبائر المنهيات {نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] بالطاعات كما يدل عليه قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] وسائر الأحاديث الواردة في باب المكفرات.
20 ـــــ ومنها: أن دعاء الأحياء للأموات وصدقتهم عنهم نفع لهم في علو الحالات:
خلافا للمعتزلة تمسكا بأن القضاء لا يتبدل وكل نفس مرهونة بما كسبت، والمرء مجزي بعمله لا بعمل غيره. وأجيب بأن عدم تبدل القضاء بالنسبة إلى الموتى لا ينافي نفع دعاء الأحياء لهم، فإن ذلك النفع بالدعاء يجوز أن يكون بالقضاء، وأن توفيق الأحياء للدعاء لهم يجوز أن يكون بكسبهم عملا في الدنيا يستحق به مثل ذلك الجزاء، فيكون مجزيا بعمله في الآخرة؛ على أنه قد ورد في الأحاديث الصحيحة من الدعاء للأموات خصوصا في صلاة الجنازة، وقد توارثه السلف وأجمع عليه الخلف، فلو لم يكن للأموات فيه نفع لكان عبثا، بل جاء في القرآن آيات كثيرة