كتابه الذي حكى فيه مناظرته لبشر المريسي عند المأمون حين سأله عن علمه تعالى، فقال بشر: أقول: لا يجهل، فجعل يكرر السؤال عن صفة العلم تقريرا له، فقال الإمام عبد العزيز: نفي الجهر لا يكون صفة مدح، فإن هذه الأسطوانة لا تجهل، وقد مدح الله تعالى الأنبياء والملائكة والمؤمنين بالعلم لا بنفي الجهل، فمن أثبت العلم فقد نفى الجهل، ومن نفى الجهل لم يثبت العلم، وعلى الخلق أن يثبتوا ما أثبته الله تعالى لنفسه وينفوا ما نفاه ويمسكوا عما أمسك عنه.
وقد قال الله تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] ، وقال أيضا: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59] ، وقال: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى} [الأنعام: 60] ، ثم في قوله تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} [الملك: 14] إيماء إلى أن من المخلوقات ما هو عالم والعلم صفة كمال، ويمتنع أن لا يكون الخالق عالما.
فهو كما قال الطحاوي: لم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم وعلم