فالحديث مشهور من رواية نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، وأخذه عن نافع جماعة من أصحابه هم: عبد الرحمن بن عطاء ، وعبد الله بن عون ، وعبيد الله بن عمر ، والليث بن سعد ، كلهم يرويه بسياق صريح واضح أن المراد جهة المشرق حيث يطلع قرن الشيطان . ينظر للوقوف على جميع هذه الطرق"المسند الجامع" (10/789) .
فجاءت رواية أخرى تفرد بها جويرية عن نافع بلفظ: ( قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا ، فَأَشَارَ نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَةَ ، فَقَالَ: هُنَا الفِتْنَةُ - ثَلاَثًا - مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ ) رواه البخاري (3104) .
فإذا نظر الباحث المنصف الفهم ، علم أن الإشارة المقصودة إنما هي لجهة المشرق ، ولكن لما كانت حجرة عائشة رضي الله عنها إلى جهة المشرق ، عبر الراوي بقوله ( فأشار نحو مسكن عائشة ) يعني يريد جهة المشرق ، وليس شخص أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها خاصة ، ويؤكد ذلك كلمة ( نحو ) ، أي: جهة ، ولم يقل ( إلى عائشة ) .
وقد جاء في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع: ( أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَامَ عِنْدَ بَابِ حَفْصَةَ ، فَقَالَ: بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ ) وفي لفظ ( عند باب عائشة فقال بيده نحو المشرق ) كما في"صحيح مسلم" (2905) ، فظهر أن المراد الجهة ، وأما الحجرات فليست مقصودة لذاتها .
وهل من المعقول أن يدعو النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة للشام ولليمن ، ثم يطلب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم منه أن يدعو لنجد ، فيجيبهم بأن مسكن عائشة مصدر الفتنة وقرن الشيطان ، أي عقل يقبل هذا الفهم السقيم ، وأي مناسبة بين أول الحديث وآخره تبعا لهذا التحريف الغريب .