والوجه الثاني: أن الحزن والخوف كان حاصلًا لأبي بكر لا للرسول عليه الصلاة والسلام ، فإنه عليه السلام كان آمنًا ، ساكن القلب بما وعده الله أن ينصره على قريش ، فلما قال لأبي بكر: لا تحزن: صار آمنًا ، فصَرْفُ السكينة إلى أبي بكر ليصير ذلك سببًا لزوال خوفه أولى من صرفها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، مع أنه قبل ذلك ساكن القلب ، قوي النفس .
والوجه الثالث: أنه لو كان المراد إنزال السكينة على الرسول لوجب أن يقال: إن الرسول كان قبل ذلك خائفًا ، ولو كان الأمر كذلك لما أمكنه أن يقول لأبي بكر: ( لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) فمن كان خائفًا كيف يمكنه أن يزيل الخوف عن قلب غيره ، ولو كان الأمر على ما قالوه لوجب أن يقال: فأنزل الله سكينته عليه ، فقال لصاحبه: لا تحزن .
ولمَّا لم يكن كذلك ، بل ذكر أولًا أنه عليه الصلاة والسلام قال لصاحبه: لا تحزن ، ثم ذكر بفاء التعقيب نزول السكينة وهو قوله: ( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ) علمنا أن نزول هذه السكينة مسبوق بحصول السكينة في قلب الرسول عليه الصلاة والسلام ، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن تكون هذه السكينة نازلة على قلب أبي بكر"انتهى."
وقد أجاب أصحاب هذا القول على استدلال الفريق الأول بعود الضمير في قوله تعالى ( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ) إلى النبي صلى الله عليه وسلم بما يلي:
"فإن قيل: وجب أن يكون قوله: ( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ) المراد منه أنه أنزل سكينته على قلب الرسول ، والدليل عليه: أنه عطف عليه قوله: ( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ) ، وهذا لا يليق إلا بالرسول ، والمعطوف يجب كونه مشاركًا للمعطوف عليه ، فلما كان هذا المعطوف عائدًا إلى الرسول وجب في المعطوف عليه أن يكون عائدًا إلى الرسول ؟"