الحديثُ يدلُّ علَى أنَّ الإمامَ يؤمِّنُ. وهوَ اختيارُ الشافعيِّ وغيرِه. واختيارُ مالكٍ: أنَّ التأمينَ للمأمومينَ. ولعلَّهُ يُؤْخَذُ منهُ جهرُ الإمامِ بالتأمينِ. فإنهُ علَّقَ تأمينَهم بتأمينهِ. فلا بُدَّ أنْ يكونُوا عالمينَ بهِ. وذلكَ بالسَّماعِ.
والذينَ قالوُا: لا يؤمِّنُ الإمامُ أوَّلُوا قولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إذا أمَّنَ الإمامُ ) )على بُلُوغِه موضِعَ التَّأمينِ. وهو خاتمةُ الفاتحةِ، كمَا يقالُ: أنْجَدَ إذا بلغَ نجدًا. و (( أَتْهَمَ إذا بلغَ تِهامَةَ. وأَحْرَمَ إذا بلغَ الحَرَمَ. وهذا مجازٌ. فإنْ وُجدَ دليلٌ يُرجِّحُه على ظاهرِ هذَا الحديثِ - وهو قولُهُ: (( إذا أمَّنَ ) )فإنَّهُ حقيقةٌ في التَّأمينِ - عُمِلَ بهِ. وإلاَّ فالأصلُ عدمُ المجازِ.
ولعلَّ مالكًا اعتمدَ على عَملِ أهلِ المدينةِ، إنْ كانَ لهمْ في ذلكَ عملٌ، ورجَّح بهِ مذهبَهُ. وأمَّا دَلالةُ الحديثِ على الجهرِ بالتأمينِ فأضعفُ مِن دَلالتِهِ على نفسِ التأمينِ قليلًا. لأنَّهُ قد يدُلُّ دليلٌ على تأمينِ الإمامِ من غيرِ جَهرٍ.
وموافقةُ تأمينِ الإمامِ لتأمينِ الملائكةِ ظَاهِرُهُ: الموافقةُ في الزَّمانِ. ويُقوِّيهِ الحديثُ الآخرُ: (( إذا قالَ أحدُكم: آمينَ، وقالتِ الملائكةُ في السَّماءِ: آمينَ فوافقتْ إحداهُمَا الأُخرَى ) )وقدْ يحتملُ أنْ تكونَ الموافقةُ راجعةً إلى صفةِ التأمينِ، أي يكونُ تأمينُ المُصلِّي كصفةِ تأمينِ الملائكةِ في الإخلاصِ، أو غيرهِ من الصفاتِ الممدوحةِ. والأوَّلُ أظهرُ.
وقد تقدَّمَ لنَا كلامٌ في مثلهِ في قولِه صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ: (( غُفرَ لهُ ما تقدَّمَ منْ ذنبِهِ ) )وهلْ ذَلِكَ مخصوصٌ بالصغائِرِ؟
82 -الحديثُ السَّادسُ: عنْ أبي هريرةَ رضَي اللهُ عنهُ: أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إذا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيخَفِّفْ فإنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَذَا الحَاجَةِ، وَإذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ ) ).
83 -ومَا في معناهُ من حديثِ أبي مسعودٍ الأنصاريِّ رضيَ اللهُ عنهُ وهوَ الحديثُ السَّابعُ قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالَ: إِنِّي لأَتَأَخَّرُعَنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلاَنٍ، مِمَّا يُطيلُ بِنَا، قال: فَما رَأَيْتُ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ، فقالَ: (( يَا أَيُّها النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُوجِزْ، فإِنَّ مِن وَرَائِهِ الْكَبِيرَ والضعيفَ وَذَا الْحَاجَةِ ) ).
حديثُ أبي هريرةَ وأبِي مسعودٍ - واسمُهُ عُقْبَةُ بنُ عَمْرٍو. ويُعْرَفُ بالبدريِّ , والأكثرُ على أَنَّهُ لمْ يشهدْ بدرًا. ولكنَّهُ نزلَها، فَنُسِبَ إليهَا - يدلَّانِ علَى التَّخفيفِ في صلاةِ الإمامِ. والحكمُ فيهَا مذكورٌ مع عِلَّتِهِ، وهو المشقَّةُ اللاَّحقةُ للمأمومينَ إذا طوَّلَ. وفيهِ - بعدَ ذلكَ - بحثانِ.
أحدُهما: أنَّهُ لمَّا ذُكرتْ العلَّةُ وجبَ أنْ يتبعَهَا الحكمُ، فحيثُ يشقُّ علَى المأمومينَ التَّطويلُ، ويريدونَ التَّخفيفَ: يؤمرُ بالتَّخفيفِ. وحيثُ لا يشقُّ، أوْ لاَ يريدونَ التَّخفيفَ: لا يكرهُ التَّطويلُ. وعن هذَا قالَ الفقهاءُ: إنهُ إذَا عُلمَ منَ المأمومينَ: أنهم يؤثرونَ التَّطويلَ طوَّلَ، كمَا إذا اجتمعَ قومٌ لقيامِ الْلَيلِ. فإنَّ ذلكَ - وإنْ شقَّ عليهمْ - فقدْ آثرُوهُ ودخلُوا عليهِ.
الثَّاني: التَّطويلُ والتخفيفُ: من الأمورِ الإضافيَّةِ. فقدْ يكونُ الشَّيءُ طويلًا بالنَّسبةِ إلى عادةِ قومٍ. وقد يكونُ خفيفًا بالنِّسبةِ إلى عادةِ آخرينَ. وقد قالَ بعضُ الفُقهاءِ: إنهُ لا يَزِيدُ الإمامُ على ثلاثِ تسَبيحاتٍ في الركوعِ والسُّجودِ. والمرويُّ عنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثرُ مِنْ ذلكَ، معَ أمرِهِ بالتخفيفِ. فكأنَّ ذلكَ: لأنَّ عادةَ الصَّحابةِ لأجلِ شدَّةِ رغبتِهِمْ في الخيرِ يقتضِي