وقولُه: (( ولا يُنَفَّرُ صيدُهُ ) )أي: يُزْعَجُ من مكانِه. وفيه دليلٌ على طريقِ فَحْوَى الخطابِ: أن قتلَه محرَّمٌ. فإنهُ إذا حرُمَ تنفيرُه، بأن يُزعَجَ من مكانِه، فقتلُه أولَى.
وقولُه: (( ولا يَلْتَقِطُ لُقْطتَه إلاَّ مَن عرَّفَها ) )اللُّقْطةُ - بإسكانِ القافِ، وقد يقالُ بفتحِهَا - الشَّيءُ الْمُلْتَقَطُ. وذهبَ الشافعيُّ إِلَى أنَّ لقطةَ الحرمِ لا تؤخذُ للتَّملُّكِ وإنما تؤخَذُ لتُعَرَّفَ لا غيرُ, وذهبَ مالكٌ إِلَى أنَّها كغيرِهَا فِي التعريفِ والتملُّكِ , ويُسْتَدَلُّ للشافعيِّ بهذا الحديثِ.
و (( الخَلَى ) )بفتحِ الخَاءِ والقَصرِ: الحشيشُ إذا كانَ رطبًا، واخْتِلَاؤُه: قَطْعُهُ وقد تقدَّمَ. و (( الإِذْخِرُ ) )نبتٌ معروفٌ طيِّبُ الرَّائحةِ. وقولُه: (( فإنه لِقَينِهمْ ) )القينُ: الحدَّادُ؛ لأنهُ يُحتاجُ إليهِ فِي عملِ النَّارِ، و (( بيوتِهم ) )تحتاجُ إليهِ فِي التَّسقيف.
وقولُهُ عليه السَّلامُ: (( إلا الإذخرَ ) )على الفورِ يَتَعَلَّقُ بهِ مَن يَرى اجتهادَ النبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو تفويضَ الحكمِ إليهِ من أهلِ الأصولِ. وقيلَ: يجوزُ أن يكونَ يُوحَى إليه فِي زمنٍ يسيرٍ. فإنَّ الوحيَ إلقاءٌ فِي خُفْيَةٍ. وقدْ تظهَرُ أماراتُهُ، وقد لا تظهَرُ.
222 -الحديثُ الأوَّلُ: عَنْ عَائِشَةَ، رَضِي اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ ) ). وَلِمُسْلِمٍ: (( يُقْتَلُ خَمْسٌ فَوَاسِقُ فِي الحلِّ والْحَرَمِ ) ).
فيه مباحثُ:
الأوَّلُ: المشهورُ فِي الرِّوايةِ (( خمسٌ ) )بالتنوينِ (( فواسقُ ) )ويجوزُ خمسُ فواسقَ بالإضافةِ من غيرِ تنوينٍ. وهذهِ الرِّوايةُ التي ذكرَهَا المصنّفُ تدلُّ علَى صحةِ المشهورِِ. فإنهُ أخبرَ عن (( خمسٍ ) )بقولِه: (( كلُّهنَّ فواسقُ ) )وذلكَ يقتضي أن يُنَوَّنَ (( خمسٌ ) )فيكونَ (( فواسقُ ) )خبرًا. وبينَ التنوينِ والإضافةِ فِي هذا فرقٌ دقيقٌ فِي المعنَى. وذلكَ أنَّ الإضافةَ تقتضِي الحُكمَ علَى خمسٍ منَ الفواسقِ بالقتلِ. وربَّمَا أشعرَ التخصيصُ بخلافِ الحُكمِ فِي غيرِهَا وبطريقِ المفهومِ. وأمَّا معَ التنوينِ فإنهُ يقتضِي وصفَ الخمسِ بالفسقِ مِن جهةِ المعنَى وقد يُشعِرُ بأنَّ الحكمَ المرتَّبَ على ذلكَ - وهو القتلُ - معلَّلٌ بما جُعِلَ وصفًا، وهو الفسقُ. فيقتضِي ذلكَ التعميمَ لكلِّ فاسقٍ من الَّدوابِّ , وهو ضدُّ ما اقتضاهُ الأوَّلُ مِن المفهومِ. وهو التَّخصيصُ.
الثاني: الجمهورُ على جوازِ قتلِ هذهِ المذكورةِ فِي الحديثِ. والحديثُ دليلٌ على ذلكَ ,وعن بعضِ المتقدِّمين: أنَّ الغرابَ يُرمَى ولا يُقتَلُ.
الثالثُ: اختلفُوا فِي الاقتصارِ على هذهِ الخمسةِ، أو التعديةِ لمَا هوَ أكثرُ منهَا بالمعنَى. فقيلَ: بالاقتصارِ عليها. وهو المذكورُ فِي كتبِ الحنفيَّةِ. ونَقَلَ غيرُ واحدٍ مِن المصنِّفينَ المُخَالِفينَ لأبِي حنيفةَ أنَّ أبا حنيفةَ ألحقَ الذِّئبَ بهَا. وعدُّوا ذلكَ من مُناقَضَاتِه، والذينَ قالُوا بالتَّعديةِِ اختلفُوا فِي المعنَى الذِي بهِ التعديةُ، فنُقِلَ عن بعضِ الشارحينَ: أنَّ الشافعيَّ قالَ: المعنَى فِي جوازِ قتلِهنَّ كونُهنَّ مِمَّا لا يُؤكَلُ فكلُّ ما لا يُؤكَلُ قتلُهُ جائزٌ للمُحرِم، ولا فديةَ عليهِ، وقال مالكٌ: المعنَى فيهِ كونُهنَّ مؤذياتٍ، فكلُّ مؤذٍ يجوزُ للمُحْرِمِ قتلُهُ، وما لاَ فلاَ.
وهذَا عندِي فيهِ نظرٌ، فإن جوازَ القتلِ غيرُ جوازِ الاصطيادِ، وإنما يَرَى الشافعيُّ جوازَ الاصطيادِ وعدمَ وجوبِ الجزاءِ