وَفِيْهِ دليلٌ عَلَى التَّسَتُّرِ عندَ الغُسْلِ، وَفِيْهِ دليلٌ عَلَى جوازِ الاسْتِعَانَةِ فِي الطهارةِ؛ لقولِ أبِي أيُّوبَ: (( اصْبُبْ ) )وَقَدْ وردَ فِي الاستعانةِ أحاديثُ صحيحةٌ، وورَدَ فِي تَرْكِها شيءٌ لاَ يُقَابلُها فِي الصحَّةِ.
وَفِيهِ دليلٌ عَلَى جوازِ السَّلامِ عَلَى المُتَطَهِّرِ فِي حالِ طهارتِه، بخلافِ مَن هُوَ عَلَى الحَدَثِ، وَفِيْهِ دليلٌ عَلَى جوازِ الكلامِ فِي أثناءِ الطهارةِ، وَفِيْهِ دليلٌ عَلَى تحريكِ اليدِ عَلَى الرأسِ فِي غُسْلِ المُحْرِمِ إِذَا لم يُؤَدِّ إِلَى نَتْفِ الشعرِ.
وقولُه: (( أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ ابنُ عَبَّاسٍ، يَسْأَلُكَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ؟ ) ). يُشْعِرُ بأن ابنَ عبَّاسٍ كَانَ عندَه عِلْمٌ بأصلِ الغَسْلِ، فإنَّ السؤالَ عن كيفيَّةِ الشيءِ، إِنَّمَا يكونُ بعدَ العلمِ بأصلِه، وَفِيْهِ دليلٌ عَلَى أن غَسْلَ البدنِ كَانَ عندَه متقرِّرَ الجوازِ، إذ لم يسألْ عَنْهُ، وإنما سألَ عن كيفيَّةِ غَسْلِ الرأْسِ، ويحتملُ أنْ يكونَ ذَلِكَ؛ لأنه موضعُ الإشكالِ فِي المسألةِ؛ إذ الشعرُ عَلَيْهِ، وتحريكُ اليدِ فِيْهِ يُخَافُ مِنْهُ نتفُ الشعرِ.
وَفِيْهِ دليلٌ عَلَى جوازِ غُسْلِ المُحْرِمِ، وَقَدْ أُجْمِعَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ جُنُبًا، أَوْ كَانَتْ المرأةُ حائضًا، فَطَهُرَتْ، وبالجملةِ الأغسالُ الواجبةُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ تبرُّدًا مِن غيرِ وجوبٍ، فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيْهِ، فَالشَّافعيُّ يجيزُه، وزادَ أصحابُه، فقالُوا: لَهُ أن يغسلَ رأسَه بالسِّدْرِ والخَطْمِيِّ، وَلاَ فديةَ عَلَيْهِ، وَقَالَ مَالكٌ وَأَبُو حنيفةَ: عَلَيْهِ الفديةُ. أعني: غسلَ رأسِه بَالْخَطْميِّ وَمَا فِي معناه، فإن اسْتُدِلَّ بالحديثِ عَلَى هَذَا المُخْتَلَفِ فِيْهِ فَلاَ يقوى؛ لأن المذكورَ حكايةُ حالٍ، لاَ عمومُ لَفْظٍ، وحكايةُ الحالِ تحتملُ أن تكونَ هِيَ المُخْتَلَفَ فِيْهَا، وتحتملُ أن لاَ، وَمَعَ الاحتمالِ لاَ تقومُ حُجَّةٌ.
241 -الحديثُ الأَوَّلُ: عن جابرِ بنِ عبدِ اللّهِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: (( أَهَلَّ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَلْحَةَ، وَقَدِمَ عَليٌّ، رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ مِنَ اليَمَنِ، فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأَمَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَيَطُوفُوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا، إِلاَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى، وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ؟ فَبَلَغَ ذَلِكَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: لَوْ اسْتَقْبَلْتُ من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلاَ أَنَّ مَعِيَ الْهَديَ لأَحْلَلْتُ، وَحَاضَتْ عائِشَةُ، فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا طَهُرَتْ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ، يَنْطَلِقُونَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأنْطَلِقُ بِحَجٍّ؟ فَأمَرَ عَبْدَ الرَّحْمنِ بنَ أبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ ) ).
قولُه: (( أهلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ). الإهلالُ: أصلُه رفعُ الصوتِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي التلبيةِ استعمالًا شائعًا، ويُعَبَّرُ بِهِ عن الإحرامِ.
وقولُه: (( بالحجِّ ) )ظاهرُه يدلُّ عَلَى الإفرادِ، وَهُوَ روايةُ جابرٍ.
وقولُه: (( وَلَيْسَ مَعَ أحدٍ مِنْهُمْ هديٌ غيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وطلحةَ ) )كالمقدِّمَةِ لِمَا أُمِرُوا بِهِ مِن فَسْخِ الحجِّ إِلَى العمرةِ، إِذَا لم يكن هديٌ.
وقولُه: (( أَهْلَلْتُ بما أهلَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ). قيلَ: فِيْهِ دليلٌ عَلَى جوازِ تَعْلِيقِ الإحرامِ بإحرامِ الغيرِ، وانعقادِ إحرامِ المُعَلِّقِ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ الغيرُ، ومِن النَّاسِ مَن عَدَّى هَذَا إِلَى صورٍ أُخْرَى أجازَ فِيْهَا التعليقَ، وَمَنَعَه غيرُه، ومن أبَى ذَلِكَ يقولُ: الحجُّ مخصوصٌ بأحكامٍ ليستْ فِي غيرِه، ويُجْعَلُ مَحَلُّ النصِّ مِنْهَا.