فهرس الكتاب

الصفحة 266 من 381

غيرُ مقطوعٍ بِهِ؛ لجوازِ استثناءِ محلِّ الخبرِ من ذَلِكَ الأصلِ.

وعندي أن التمسُّكَ بِهَذَا الكلامِ أقوى من التمسُّكِ بالاعتذاراتِ عن المقامِ الأَوَّلِ.

ومِن النَّاسِ مَن سلَكَ طريقةً أخرى فِي الاعتذارِ عن الحديثِ، وَهِيَ ادِّعاءُ النسخِ، وَأَنَّهُ يجوزُ أن يكونَ ذَلِكَ من حَيْثُ كَانَت العقوبةُ بالمالِ جائزةً، وَهُوَ ضعيفٌ، فَإِنَّهُ إثباتُ نسخٍ بالاحتمالِ والتقديرِ، وَهُوَ غيرُ سائغٍ، وَمِنْهُمْ مَن قَالَ: يُحْمَلُ الحديثُ عَلَى مَا إِذَا اشترى شاةً بشرطِ أَنَّهَا تَحْلُبُ خمسةَ أرطالٍ مثلًا، وشرَط الخيارَ، فالشرطُ باطلٌ فاسدٌ، فإن اتفقَا عَلَى إسقاطِه فِي مدةِ الخيارِ صحَّ العقدُ، وإن لم يتَّفِقَا بَطَلَ، وَأَمَّا ردُّ الصاعِ، فلأنه كَانَ قيمةَ اللبنِ فِي ذَلِكَ الوقتِ.

وَأُجِيبَ عَنْهُ بأن الحديثَ يقتضِي تعليقَ الحكمِ بالتصريةِ، وَمَا ذُكِرَ يقتضِي تعليقَه بفسادِ الشرطِ، سواءٌ أَحْدَثَ التصريةَ أم لاَ.

258 -الحديثُ الثالثُ: عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( نَهى عن بَيْعِ حبَلِ الْحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيةِ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجَ التي فِي بَطْنِها، قيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الشَّارِفَ - وَهِيَ الكبيرةُ المسِنَّةُ - بِنَتَاجِ الْجَنِيْنِ الَّذِي فِي بَطْنِ نَاقَتِهِ ) ).

فِي تفسيرِ (( حَبَلِ الحَبَلَةِ ) )وجهانِ: أحدُهما: أن يبيعَ إِلَى أن تَحْمِلَ الناقةُ , وتَضَعَ , ثُمَّ يَحْمِلَ هَذَا البطنُ الثَّانِي، وَهَذَا باطلٌ؛ لأنه يَبِيعُ إِلَى أجلٍ مجهولٍ. وَالثَّانِي: أن يبيعَ نِتَاجَ النتاجِ، وَهُوَ باطلٌ أَيْضًا؛ لأنه بيعُ معدومٍ، وَهَذَا البيعُ كَانَت الجاهليةُ تَتَبَايَعُهُ، فأبْطَلَهُ الشارعُ للمفسدةِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِ، وَهُوَ مَا بيَّنَّاهُ مِن أحدِ الوجهينِ، وكأنَّ السرَّ فِيْهِ أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى أكلِ المالِ بالباطلِ، أَوْ إِلَى التشاجرِ والتنازعِ المنافي للمصلحةِ الكليَّةِ.

259 -الحديثُ الرابعُ: عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( نَهى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، نَهى البَائعَ والمُشْتَرِيَ ) ).

أكثرُ الأمَّةِ عَلَى أن هَذَا النهيَ نهيُ تحريمٍ، والفقهاءُ أخرجُوا مِن هَذَا العمومِ بيعَها بشرطِ القطعِ، واخْتَلَفُوا فِي بيعِها مُطْلَقًا مِن غيرِ شرطٍ وَلاَ إبقاءٍ، ولِمَنْ يَمْنَعُه أنْ يَسْتَدِلَّ بِهَذَا الحديثِ؛ فَإِنَّهُ إِذَا خرجَ مِن عمومِه بيعُها بشرطِ القطعِ يدخلُ باقي صورِ البيعِ تحتَ النهيِ، ومن جملةِ صورِ البيعِ بيعُ الإِطلاقِ، وممَّن قَالَ بالمنعِ فِيهِ مَالكٌ وَالشَّافعيُّ.

وقولُه: (( نَهى البائعَ والمشتري ) )تأكيدٌ لما فِيهِ من بيانٍ أن البيعَ - وإن كَانَ لمصلحةِ الإِنسانِ - فَلَيْسَ لَهُ أن يرتكبَ النهيَ فِيْهِ، قائلًا: أسقطْتُ حقِّي من اعتبارِ المصلحةِ، ألا ترى أن هَذَا المنعَ لأجلِ مصلحةِ المشتري؟ فإن الثمارَ قبلَ بِدُوِّ الصلاحِ مُعَرَّضَةٌ للعاهاتِ، فَإِذَا طرأَ عليها شيءٌ مِنْهَا حصلَ الإِجحافُ بالمشتري فِي الثمنِ الَّذِي بذلَه، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ منعَه الشرعُ، ونهى المشتريَ كَمَا نهى البائعَ، وكأنه قطعَ النزاعَ والتخَاصُمَ، ومثلُ هَذَا فِي المعنى حديثُ أنسٍ الَّذِي بعدَه.

260 -الحديثُ الخامسُ: عن أنسِ بنِ مَالكٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( نَهى عن بَيْعِ الثِّمارِِ حَتَّى تُزْهَى، قِيْلَ: وَمَا تُزْهَى؟ قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ، قَالَ: أَرَأَيتَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكَمْ مالَ أَخِيه؟ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت