وقولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فِي الْحَجِّ ) ). هُوَ نصُّ كتابِ اللهِ تَعَالَى، فيُستدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يجوزُ للمتمتِّعِ الصِّيامُ قبلَ دخولِه فِي الحجِّ، لاَ مِن حَيْثُ المفهومُ فقط، بل من حَيْثُ تَعَلُّقُ الأمرِ بالصومِ الموصوفِ بكونِه فِي الحجِّ، وَأَمَّا الهديُ قبلَ الدخولِ فِي الحجِّ، فقيلَ: لاَ يجوزُ، وَهُوَ قولُ بَعْضِ أصحابِ الشَّافعيِّ، والمشهورُ مِن مذهبِه جوازُ الهديِ بعدَ التحَلُّلِ مِن العمرةِ، وقبلَ الإِحرامِ بالحجِّ، وأبعَدُ مِن هَذَا مَن أجازَ الهديَ قبلَ التحلُّلِ مِن العمرةِ مِن العلماِء، وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَن يُجِيزُ للمُتَمَتِّعِ صومَ أيَّامِ التشريقِ بعدَ إثباتِ مُقَدِّمَةٍ، وَهِيَ أنَّ تلكَ الأيامَ مِن الحجِّ، أَوْ تلكَ الأفعالَ الباقيةَ يَنْطَلِقُ عليها أَنَّهَا مِن الحجِّ، أَوْ وقتَها مِن وقتِ الحجِّ.
وقولُه: (( إِذَا رجَعَ إِلَى أهلِه ) ). دليلٌ لأحدِ القولينِ للعلماءِ فِي أنَّ المرادَ بالرجوعِ مِن قولِه تَعَالَى: (إِذَا رَجَعْتُمْ) [البقرة: 196] ، هُوَ الرجوعُ إِلَى الأهلِ، لاَ الرجوعُ مِن مِنًى إِلَى مَكَّةَ.
وقولُه: (( واستلمَ الرُّكنَ أَوَّلَ شيءٍ ) )دليلٌ عَلَى استحبابِ ابتداءِ الطوافِ بِذَلِكَ، (( ثُمَّ خَبَّ ثلاثةَ أطوافٍ ) )دليلٌ عَلَى استحبابِ الخَبَبِ، وَهُوَ الرَّمَلُ فِي طوافِ القدومِ.
وقولُه: (( ثلاثةَ أطوافٍ ) )يدلُّ عَلَى تعميمِ هَذِهِ الثلاثةِ بالخَبَبِ، عَلَى خلافِ مَا تقدَّمَ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ، وَقَدْ ذكرْنا مَا فِيْهِ.
وقولُه: (( عندَ المقامِ ركعتينٍ ) )دليلٌ عَلَى استحبابِ أنْ تكونَ رَكْعَتَا الطوافِ عندَ المقامِ، و (( طوافُه بَيْنَ الصفا والمروةِ ) )عقيبَ طوافِ القدومِ دليلٌ عَلَى مشروعيَّةِ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الوجهِ، واستحبابِ أنْ يكونَ السعيُ عقيبَ طوافِ القدومِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الفقهاءِ: إِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي السعيِ أنْ يكونَ عقيبَ طوافٍ كيفَ كَانَ. وَقَالَ بعضُهم: لابدَّ أنْ يكونَ عقيبَ طوافٍ واجبٍ، وَهَذَا القائلُ يرى أنَّ طوافَ القدومِ واجبٌ، وإنْ لم يكنْ رُكْنًا.
وقولُه: (( ثُمَّ لم يُحْلِلْ إلخ ) )امتثالًا لقولِه تَعَالَى: (حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ) [البقرة: 196] ، ودليلٌ عَلَى أنَّ ذَلِكَ حُكْمُ القارِنِ.
وقولُه: (( وفَعَلَ مثلَ مَا فعلَ مَن ساقَ الهديَ ) )يُبَيِّنُ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنَ ساقَ الهديَ فِي حديثٍ آخرَ بأنْ (( لاَ يَحِلَّ مِنْهَا حَتَّى يَحِلَّ منهما جميعًا ) ).
233 -الحديثُ الثالثُ: عن حفصةَ زوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: (( يَا رَسُولَ اللّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا مِنَ العُمْرَةِ وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرِتِكَ؟ فَقَالَ: إِنَي لَبَّدْتُ رَأْسَي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِيَ، فَلاَ أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ ) ).
فِيْهِ دليلٌ عَلَى استحبابِ التلبيدِ لشعرِ الرأسِ عندَ الإحرامِ، و (( التلبيدُ ) )أنْ يُجْعَلَ فِي الشعرِ مَا يُسَكِّنُه ويمنعُه مِن الانتفاشِ، كالصَّبرِ أَوْ الصمغِ، وَمَا أشبهَ ذَلِكَ، وَفِيْهِ دليلٌ عَلَى أن للتلبيدِ أثرًا فِي تأخيرِ الإحلالِ إِلَى النحرِ، وَفِيْهِ: أن مَن ساقَ الهديَ لم يَحِلَّ حَتَّى يومِ النحرِ، وَهُوَ مأخوذٌ مِن قولِه تَعَالَى: (وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) [البقرة: 196] .
وقولُها: (( مَا شأنُ النَّاسِ حَلُّوا ولم تَحِلَّ؟ ) )هَذَا الإحلالُ هُوَ الَّذِي وقعَ للصحابةِ فِي فسخِهم الحجَّ إِلَى العمرةِ، وَقَدْ كَانَ النبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرَهم بِذَلِكَ، لِيَحِلُّوا بالتحلُّلِ مِن العمرةِ، ولم يَحِلَّ هُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه كَانَ قَدْ ساقَ الهديَ.
وقولُها: (( مِن عمرتِك ) ). يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قارِنًا، ويكونُ المرادُ مِن قولِها: (( مِن عُمْرَتِك ) ). أي: مِن عُمْرَتِكِ التي مَعَ حجَّتِكِ، وقيلَ: (( مِن ) )بمعنى الباءِ، أي: لم تَحَلَّ بعمرتِكِ،