هَذِهِ الحالةِ، وَحَيْثُ صُلِّيَتْ عَلَى هَذَا الوجهِ، مَعَ إمكانِ دفعِ المُفسداتِ - عَلَى تقديرِ جوازِ صلاةِ المفترضِ خلفَ المتنفِّلِ - دلَّ عَلَى أنَّهُ لاَ يجوزُ ذَلِكَ، وبعدَ ثُبوتِ هَذِهِ الملازمةِ يبقَى النَّظرُ فِي التاريخِ، وَقَدْ أُشيرَ بتقدُّم إسلامِ معاذٍ إِلَى ذَلِكَ، وَفِيْهِ مَا تقدَّمتِ الإشارةُ إِلَيْهِ.
الوجهُ الرابعُ مِنْ الاعتذارِ عن الحديثِ: مَا أشارَ إِلَيْهِ بعضُهم مِنْ أنَّ الضَّرورةَ دعتْ إِلَى ذَلِكَ، لقلَّةِ القُرَّاءِ فِي ذَلِكَ الوقتِ، وَلَمْ يكنْ لَهُمْ غنىً عن معاذٍ، وَلَمْ يكنْ لمعاذٍ غنىً عن صلاتهِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا يحتملُ أن يُريدَ بِهِ قائلُه معنى النَّسخِ، فيكونُ كَمَا تقدَّمَ. ويحتملُ أنْ يريدَ أنَّه مِمَّا أبيحَ بحالةٍ مخصوصةٍ، فيرتفعُ الحكمُ بزوالِها، وَلاَ يكونُ نسخًا، وَعَلَى كلِّ حالٍ فَهُوَ ضعيفٌ لعدمِ قيامِ الدليلِ عَلَى تعيُّنِ مَا ذَكرَهُ هَذَا القائلُ عِلَّةً لِهَذَا الفعلِ، ولأنَّ القَدْرَ المُجزئَ مِنَ القراءةِ فِي الصلاةِ لَيْسَ حَفَظَتُه بقليلٍ، وَمَا زادَ عَلَى الحاجةِ من زيادةِ القراءةِ، فَلاَ يصلُحُ أَنْ يكونَ سببًا لارتكابِ ممنوعٍ شرعًا، كَمَا يقولهُ هَذَا المانعُ.
فَهَذَا مجامعُ مَا حضرَ مِن كلامِ الفريقينِ، مَعَ تقريرٍ لبعضِه فيمَا يتعلَّقُ بِهَذَا الحديثِ، وَمَا زادَ عَلَى ذَلِكَ مِن الكلامِ عَلَى أحاديثَ أُخرَ، والنظرُ فِي الأقيسةِ، فَلَيْسَ مِنْ شرطِ هَذَا الكتابِ.
117 -الحديثُ السَّادسُ: عَنْ أنسِ بنِ مالكٍ، قَالَ: كُنَّا نُصلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ.
الكلامُ عَلَيْهِ مِنْ وجوهٍ:
أحدُها: أنَّهُ يقتضِي تقديمَ الظُّهرِ فِي أوَّلِ الوقتِ مَعَ الحَرِّ، ويُعارضُهُ مَا قدمناهُ فِي أَمْرِ الإِبرادِ عَلَى مَا قِيلَ، فمَن قَالَ: إِنَّ الإِبرادَ رخصةٌ، فَلاَ إشكالَ عَلَيْهِ، لأنَّ التقديمَ حينئذٍ يكونُ سُنَّةً، والإِبرادُ جائزٌ، وَمَن قَالَ: إنَّ الإِبرادَ سنَّةٌ، فَقَدْ ردَّدَ بعضهُم القولَ فِي أنْ يكونَ منسوخًا، أعنِي التقديمَ فِي شدَّةِ الحرِّ، أَوْ يكونَ عَلَى الرُّخصةِ، ويحتملُ عندِي أنْ لاَ يكونَ ثَمَّةَ تعارُضٌ؛ لأنَّا إنْ جعلنَا الإِبرادَ إِلَى حَيْثُ يبقَى ظِلٌّ يُمشى فِيْهِ إِلَى المسجدِ، أَوْ إِلَى مَا زادَ عَلَى الذِّراعِ، فَلاَ يبعدُ أنْ يبقَى مَعَ ذَلِكَ حَرٌّ يحتاجُ معهُ إِلَى بسطِ الثَّوبِ، فَلاَ تعارضَ.
الثَّانِي: فِيْهِ دليلٌ عَلَى جوازِ استعمالِ الثِّيابِ وغيرهَا فِي الحيلولةِ بَيْنَ المصلِّي وَبَيْنَ الأَرضِ لاتِّقائهِ بِذَلِكَ حرَّ الأَرضِ وبردَها.
الثالثُ: فِيْهِ دليلٌ عَلَى أنَّ مباشرةَ مَا باشرَ الأَرضَ بالجبهةِ واليدينِ هُوَ الأصلُ، فإِنهُ عَلَّقَ بسطَ الثَّوبِ بعدمِ الاستطاعةِ، وَذَلِكَ يُفهمُ مِنْهُ أنَّ الأصلَ والمعتادَ عدمُ بسطِه.
الرَّابعُ: استدلَّ بِهِ بعضُ مَن أجازَ السُّجودَ عَلَى الثَّوبِ المُتَّصلِ بالمُصلِّي، وَهُوَ يحتاجُ إِلَى أمرينِ: أحدُهُما: أنْ تكونَ لفظةُ: