فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 381

المعنى السَّلَمُ بالكيلِ فِي المكيلِ، وبالوزنِ فِي المَوْزُونِ.

وَأَمَّا قولُه عَلَيْهِ السَّلامُ: (( إِلَى أجلٍ مَعْلُومٍ ) )، فَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ مَن مَنَع السلمَ الحالَّ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالكٍ وأبي حنيفةَ، وَهَذَا يوجِّهُ الأمرَ فِي قولِه: (( فَلْيُسْلِفْ ) )إِلَى الأجلِ والعلمِ معًا، والذين أَجَازُوا الحالَّ وَجَّهُوا الأمرَ إِلَى العلمِ فقطْ، ويكونُ التقديرُ: إن أَسْلَمَ إِلَى أجلٍ فَلْيُسْلِمْ إِلَى أجلٍ مَعْلُومٍ لاَ إِلَى أجلٍ مَجْهُولٍ، كَمَا أَشَرْنَا إليه فِي الكيلِ والوزنِ، واللهُ أعلمُ.

273 -الحديثُ الأَوَّلُ: عن عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: (( جاءَتْني بَرِيرَةُ، فَقَالَتْ: كاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كلِّ عَامٍ أُوقِيّةٌ، فَأعِينينِي، فقلتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ، وَوَلاؤُكِ لي، فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ، فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِي، فَأَبَوْا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُم الوَلاَءُ، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: خُذِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُم الْوَلاَءَ، فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، ففَفَعَلَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ , وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بعدُ، فَمَا بالُ رجالٍ يَشْتَرِطُون شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كتابِِ اللهِ؟ كلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كتابِ اللهِ، فهو بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ) ).

قَدْ أكثرَ النَّاسُ مِن الكلامِ عَلَى هَذَا الحديثِ، وَأَفْرَدُوا التصنيفَ فِي الكلامِ عَلَيْهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بفوائدِه، وبلَغُوا بِهَا عددًا كثيرًا, ونذكرُ مِن ذَلِكَ عيونًا إن شاءَ اللهُ تَعَالَى، والكلامُ عَلَيْهِ مِن وجوهٍ:

أحدُها: (( كَاتَبْتُ ) )فَاعَلْتُ مِن الكتابةِ، وَهُوَ العقدُ المشهورُ بَيْنَ السيِّدِ وعبدِه، فَإِمَّا أن يكونَ مأخوذًا من كتابةِ الخطِّ؛ لِما أَنَّهُ يَصْحَبُ هَذَا العقدَ الكتابةُ لَهُ، فيما بَيْنَ السيِّدِ وعبدِه، وَإِمَّا أن يكونَ مأخوذًا من معنى الإِلزامِ، كَمَا فِي قولِه تَعَالَى: (كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا) [النساء: 103] ، كأنَّ السيِّدَ ألزمَ نفسَه عَتقَ العبدِ عندَ الأداءِ، والعبدَ ألزمَ نَفْسَه الأداءَ للمالِ الَّذِي تَكَاتَبَا عَلَيْهِ.

الثَّانِي: اخْتَلَفُوا فِي بيعِ المُكَاتِبِ عَلَى ثلاثةِ مذاهبَ: المنعِ، والجوازِ، والفرقِ بَيْنَ أن يُشْتَرَى للعتقِ فيجوزُ، أَوْ للاستخدامِ فَلاَ.

فَأَمَّا مَن أجازَ بيعَه، فاستدلَّ بِهَذَا الحديثِ؛ فَإِنَّهُ ثَبَتَ أن بَرِيرَةَ كَانَتْ مُكَاتِبَةً. وَأَمَّا مَن منعَ، فَيَحْتَاجُ إِلَى العذرِ عَنْهُ، فَمِن العذرِ عَنْهُ مَا قيلَ: إِنَّهُ يجوزُ بيعُه عندَ العجزِ عن الأداءِ، أَو الضعفِ عن الكسبِ، فَقَدْ يُحْمَلُ الحديثُ عَلَى ذَلِكَ.

ومِن الاعتذاراتِ أن تكونَ عَائِشَةُ اشْتَرَت الكتابةَ لاَ الرقبةَ، وَقَدْ اسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بقولِها فِي بَعْضِ الرواياتِ: (( فإن أَحَبُّوا أن أقضيَ عنكِ كتابَكِ ) )، فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بأن المُشْتَرَى هُوَ الكتابةُ لاَ الرقبةُ، ومن فَرَّقَ بَيْنَ شرائِه للعتقِ وغيرِه، فَلاَ إشكالَ عندَهَ؛ لأنَّه يقولُ: أنا أُجِيزُ بيعَه للعتقِ، والحديثُ مُوَافِقٌ لِمَا أَقُولُ.

الثالثُ: بيعُ العبدِ بشرطِ العتقِ، اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَللشَّافعيِّ قولانِ: أحدُهما: أَنَّهُ باطلٌ، كَمَا لَوْ باعَه بشرطِ أن لاَ يبيعَه وَلاَ يَهَبَهُ، وَهُوَ باطلٌ. وَالثَّانِي - وَهُوَ الصحيحُ: أن العقدَ صحيحٌ لِهَذَا الحديثِ. ومَن مَنَعَ مِن بيعِ العبدِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت