فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 381

ما دُفِن، فَكَبَّرَ عَلَيْه أَرْبَعًا.

فيهِ جوازُ الصَّلاةِ عَلَى القبرِ لمن لم يُصلِّ على الجنازةِ، ومِن الناسِ مَن قال: إنَّمَا يجوزُ ذلكَ إذا كانَ الوليُّ، أو الوالي لم يُصليَا، والنبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هوَ الوَالي، ولم يكنْ صلَّى على هذا الميِّتِ، فيُمكنُ أنْ يقالَ: إنهُ خارجٌ عن محلِّ الخلافِ.

وقدْ أجيبَ عن بعضِ ذلكَ: بأنَّ غيرَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَصحَابهِ قدْ صلَّى مَعهُ، ولمْ ينكرْ عليهِ، وهذا يحتاجُ إِلَى نقلٍ مِن دليلٍ آخرَ، إذْ ليسَ فِي الحديثِ ذكرٌ لذلكَ.

وفيه مِن الدّلالةِ على أنَّ التكبيرَ أربعٌ: ما في الحديثِ قبلَهُ، واللهُ أعلمُ.

160 -الحديثُ الرابعُ: عن عائشةَ، رضى اللهُ عنها: أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفِّنَ فِي ثَلاَثَةِ أَثْوابٍ بِيضٍ يَمانِيةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ، وَلاَ عِمَامَةٌ.

فيه جوازُ التَّكْفِينِ بما زادَ علَى الواحدِ الساترِ لجميعِ البدنِ، وأنه لا يضايَقُ فِي ذلكَ، ولا يُتبعُ رأيُ من منعَ منهُ من الورثةِ.

وقولُهُا: ليسَ فيهَا قميصٌ ولا عِمامةٌ, يحتملُ وجهينِ: أحدُهُما: أنْ لا يكونَ كُفِّنَ فِي قميصٍ ولا عِمامةٍ أصلًا، والثاني: أنْ يكونَ ثلاثةَ أثوابٍ خارجةٍ عن القميصِ والعمامةِ، والأولُ هو الأظهرُ فِي المرادِ، واللهُ أعلمُ.

161 -الحديثُ الخامسُ: عن أمِّ عطيةَ الأنصاريَّةِ، قالتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْتَتُهُ، فقالَ: (( اغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ - إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ - بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلنَ فِي الأخيرةِ كافُورًا - أَوْ شَيْئًا مِنْ كافُورٍ - فإِذَا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّني ) )، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فأَعْطَانَا حَقْوَهُ، وقال: (( أَشْعِرْنَهَا بهِ ) )، تَعْنِي إِزَارَهُ.

وَفِي روايةٍ: (( أَوْ سَبْعًا ) )، وقالَ: (( ابْدَأْنَ بِمِيَامِنهَا، ومواضعِ الوضوءِ منهَا ) )، وَأَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالتْ: وَجَعَلْنَا رَأْسَهَا ثَلاَثَةَ قُرُونٍ.

وهذهِ الابنةُ: هي زينبُ بنتُ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. هذا هوَ المشهورُ. وذكرَ بعضُ أهلِ السَّيرِ أنهَا أمُّ كلثومِ. وقد استدلَّ بقولِه: (( اغسلنهَا ) )على وجوبِ غسلِ الميَّتِ، وبقوله: (( ثلاثًا، أَوْ خمسًا ) )، عَلَى أَنَّ الإِيتارَ مطلوبٌ فِي غسلِ الميِّتِ، والاستدلالُ بصيغةِ هذا الأمرِ على الوجوبِ عندي: يَتوقَّفُ على مقدمةٍ أصوليَّةٍ، وهي جوازُ إرادةِ المعنيينِ المختلفينِ بلفظةٍ واحدةٍ، من حيثُ إِنَّ قولَهُ: (( ثلاثًا ) )غيرُ مستقلٍّ بنفسِهِ. فلابدَّ أَنْ يكونَ داخلًا تحتَ صيغةِ الأمرِ. فتكونَ محمولةً فيهِ عَلَى الاستحبابِ. وَفِي أصلِ الغسلِ: على الوجوبِ، فيرادُ بلفظِ الأمرِ: الوجوبُ بالنسبةِ إِلَى الإيتارِ.

وقولهُ عليهِ الصلاةُ و السلامُ: (( إِنْ رأيتنَّ ذلكَ ) )تفويضٌ إِلَى رأيهنَّ بحسبِ المصلحةِ والحاجةِ. لا إِلَى رأيهنَّ بحسبِ التَّشَهِّي، فإنَّ ذلكَ زيادةٌ غيرُ محتاجٍ إِليهَا، فهوَ مِنْ قبيلِ الإسرافِ فِي ماءِ الطَّهارةِ، وإذا زيدَ على ذلكَ فالإيتارُ مستحَبٌّ، وإنهاؤُهُ الزيادةَ إِلَى سبعةٍ - فِي بعضِ الرواياتِ - لأنَّ الغالبَ أنَّها لا تحتاجُ إِلَى الزيادةِ عليهَا، واللهُ أعلمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت