فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 381

الوجهُ الثَّالثُ فِي الاعتذارِ: التَّرجيحُ بكثرةِ الرُّواةِ، وَهَذَا - إنْ صحَّ - فالاعتراضُ عَلَيْهِ أنَّ طريقَةَ الجمعِ أَوْلَى من طريقةِ التَّرجيحِ، فإنهُ يصارُ إِلَيْهِ عندَ عدمِ إمكانِ الجمعِ، وأيضًا فلابدَّ مِنَ النَّظرِ إِلَى محلِّ التَّعارضِ واتِّحادِ موضعِ الخلافِ من الزِّيادةِ والنُّقصانِ.

والقائلونَ بأنَّ محلَّ السُّجودِ بعدَ السَّلامِ اعتذرُوا عنِ الأحاديثِ المُخالفةِ لذلكَ بالتَّأويلِ إمَّا عَلَى أنْ يكونَ المرادُ بقولِه: قبلَ السَّلامِ السَّلامَ الثَّانِي، أَوْ يكونَ المرادُ بقولِه: (( وسجدَ سجدتينِ ) )سجودَ الصَّلاةِ.

وَمَا ذكرَهُ الأوَّلونَ مِن احتمالِ السَّهوِ عائدٌ ههنَا، والكلُّ ضعيفٌ.

والأوَّلُ يُبطلهُ أنَّ سجودَ السَّهوِ لاَ يكونُ إلاَّ بعدَ التَّسليمتينِ اتِّفاقًا.

وذهبَ أحمدُ بنُ حنبلٍ إِلَى الجمعِ بَيْنَ الأحاديثِ بطريقٍ أُخرَى غيرَ مَا ذهبَ إِلَيْهِ مالكٌ، وَهُوَ أنْ يستعملَ كلَّ حديثٍ فيمَا وردَ فِيْهِ، وَمَا لمْ يردْ فِيْهِ حديثٌ فمحلُّ السُّجودِ فِيْهِ قبلَ السَّلامِ، وكأنَّ هَذَا نظرَ إِلَى أنَّ الأصلَ فِي الجابِرِ أن يقعَ فِي المجبورِ، فَلاَ يخرُجُ عن هَذَا الأصلِ إلاَّ فِي موردِ النَّصِّ، ويبقَى فيمَا عداهُ عَلَى الأصلِ، وَهَذَا المذهبُ مَعَ مذهبِ مالكٍ متفقانِ فِي طلبِ الجمعِ، وعدمِ سلوكِ طريقِ التَّرجيحِ، لكنَّهمَا اختلفَا فِي وجهِ الجَمْعِ، ويترجَّحُ قولُ مالكٍ بأنْ تُذْكَرَ المناسبةُ فِي كونِ سجودِ السَّهوِ قبلَ السَّلامِ عندَ النَّقصِ، وبعدَهُ عندَ الزِّيادةِ، وَإِذَا ظهرتِ المناسبةُ، وَكَانَ الحُكْمُ عَلَى وَفقِهَا كانتْ علَّةً، وَإِذَا كانتْ علَّةً عمَّ الحكمُ، فَلاَ يتخصَّصُ ذَلِكَ بموردِ النَّصِّ.

الوجهُ الرابعَ عشرَ: إِذَا سهَا الإِمامُ تعلَّقَ حكمُ سَهوهِ بالمأمومينَ، وسجدُوا معهُ وإنْ لم يسهُوا، واستُدلَّ عَلَيْهِ بِهَذَا الحديثِ، فإنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سهَا وسجدَ القومُ معهُ لَمَّا سجدَ، وَهَذَا إِنَّمَا يتمُّ فِي حقِّ منْ لمْ يتكلَّمْ منَ الصَّحابِةِ، ولم يَمْشِ ولمْ يُسلِّمْ، إنْ كَانَ ذَلِكَ.

الوجهُ الخامسَ عشرَ: فِيْهِ دليلٌ عَلَى التَّكبيرِ لسجودِ السَّهوِ، كَمَا فِي سُجودِ الصَّلاةِ.

الوجهُ السَّادسَ عشرَ: القائلُ: فنِّبئْتُ أنَّ عمرانَ بنَ حصينٍ قَالَ: ثُمَّ سلَّمَ هُوَ محمدُ بنُ سيرينَ الرَّاوي عنْ أبي هريرةَ، وَكَانَ الصَّوابُ للمصنِّفِ أنْ يذكرَهُ فإنهُ لَمَّا لمْ يذكرْ إلاَّ أبا هريرةَ، اقتضَى ذَلِكَ أنْ يكونَ هُوَ القائلَ: (( فنبئتُ ) )وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَهَذَا يدلُّ عَلَى السَّلامِ مِنْ سجودِ السَّهوِ.

الوجهُ السَّابعَ عشرَ: لمْ يُذْكر التَّشهُّدُ بعدَ سجودِ السَّهوِ، وفيهِ خلافٌ عندَ أصحابِ مالكٍ فِي السُّجودِ الَّذِي بعدَ السَّلامِ، وَقَدْ يُستدلُّ بتركهِ فِي الحديثِ عَلَى عدمهِ فِي الحكمِ، كَمَا فعلُوا فِي مثلهِ كثيرًا، مِن حَيْثُ إنهُ لَوْ كَانَ لذُكرَ ظاهرًا.

107 -الحديثُ الثَّانِي: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُحينةَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحابِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاَةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت