فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 381

وفي الحديثِ دليلٌ على جَوَازِ اسْتِعْمَالِ مَجَازِ المُبَالَغَةِ، وجَوَازِ إطْلَاقِ مِثْلِ هذهِ العبارةِ؛ فإنَّ أبا جهْمٍ: لابدَّ وأنْ يَضَعَ عَصَاهُ حالةَ نومِه وأكلِه. وكذلكَ معاويةُ لابدَّ وأن يكونَ له ثوبٌ يلْبَسُه مثًلًا، لكن اعْتُبِرَ حالُ الغَلَبةِ، وأُهْدِرَ حالُ النادِرِ واليسيرِ. وهذا المجازُ فيمَا قيلَ في أبي جهْمٍ: أظْهَرُ منْهُ فيما قِيلَ في مُعَاوِيةَ؛ لأنَّ لنَا أنْ نقولَ: إنَّ لفظةَ"المالِ"انتَقلتْ في العُرْفِ عن موضوعِها الأصْليِّ إلى ما لَهُ قَدْرٌ مِن المَمْلُوكَاتِ، أو ذلكَ مجازٌ شائعٌ يتنزَّلُ مَنْزِلَةَ النَّقْلِ، فلا يَتَنَاوَلُ الشَّيءَ اليسيرَ جِدًّا، بِخَلَافِ ما قيلَ في أبي جهْمٍ.

وقولُه"انْكِحِي أسامةَ بنَ زيدٍ"فيِه جوازُ نِكَاحِ القُرَشِيَّةِ للمَوْلى، وكراهتُها له: إمَّا لكونِه مَولًى، أو لسوادِه، و"اغْتَبَطْتُ"مفتوحُ التَّاءِ والباءِ.

وأبو جَهْمٍ الْمَذْكُورُ في الحديثِ مَفْتُوحِ الجِيمِ، ساكنُ الهاءِِ، وهو غيرُ أبي الْجُهيمِ الذي في حدِيثِ التَّيمُّمِ.

320 -الحديثُ الأَوَّلُ: عن سُبَيْعَةَ الأسْلَميَّةِ"أَنَّهَا كانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بنْ خَوْلَةَ - وَهُوَ مِنْ بنِي عِامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا - فَتُوُفِّيَ عَنْهَا في حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا: تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - فقالَ لها: مالِي أرَاكِ مُتَجَمِّلَةً؟ لَعَلَّكِ تَرَجِّينَ للنِّكاحِ، وَاللهِ ما أَنْتِ بِنَاكحٍ، حتى يَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. قالت سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قال لي ذلِك جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فأَتَيْتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذلِكَ؟ فَأفْتَانِي بِأَنِّي قدَ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ، إِنْ بَدَا لِي".

قال ابنُ شهابٍ: وَلاَ أَرَى بأْسًا أَنْ تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ، وَإنْ كَانَتْ في دَمِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حتى تَطْهُرَ.

في الحديثِ دليلٌ على أنَّ الحامِلَ تنْقَضِي عِدَّتُها بِوَضْعِ الحمْلِ أيَّ وقتٍ كانَ. وهوَ مذهبُ فقهاءِ الأمصَارِ. وقال بعضُهُمْ مِن المُتَقَدِّمينَ: إنَّ عدَّتَها أقصَى الأجَلَيْنِ؟ فإن تَقَدَّمَ وَضْعُ الحمْلِ على تَمَامِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وعشرٍ انْتَظَرَتْ تمَامَها. وإنْ تَقَدَّمَتْ الأربعةُ الأشهرِ والعشرُ على وضْعِ الحمْلِ انْتَظَرَتْ وضْعَ الحمْلِ وقيلَ: إنَّ بَعْضَ المتأخِّرِينَ مِن المالِكيَّةِ: اختارَ هذا المذهبَ، وهو سُحْنونٌ.

وسببُ الخلافِ: تَعَارُضُ عمومِ قولِهِ تعالى (البقرة: 234 وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ) مع قولِه تعالى (الطلاق: 4 وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) ؛ فإنَّ كلَّ واحدةٍ من الآيتيِنِ عامٌّ من وجْهٍ، وخاصٌّ من وجْهٍ. فالآيةُ الأُولَى عامَّةٌ في المُتوفَََّى عنهُنَّ أزواجُهُنَّ، سواءً كُنَّ حَوَامِلَ أمْ لا. والثانَّيةُ عامَّةٌ في أُولَاتِ الْأَحْمَالِ، سواءٌ كُنَّ مُتَوفًّي عَنْهُنَّ أم لا. ولعلَّ هذا التَّعارُضَ هو السَّبَبُ لاختيارِ مَن اختارَ أقْصَى الأَجَلَيْنِ؛ لعِدَمِ تَرْجِيحِ أحدِهمَا على الآخَرِ. وذلكَ يُوجِبُ أنْ لا يُرفعَ تَحْريمُ الْعِدَّةِ السَّابقِ إلا بِيَقِينِ الحِلَّ. وذلك بأقصىَ الأجَلَيْنِ. غيرَ أنَّ فُقهاءَ الأمصارِ اعْتَمَدُوا على هذا الحديثِِ؛ فإنَّه تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قولِِه تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُم) معَ ظُهورِ المَعْنَى في حصُولِ البراءةِِ بوضْعِ الْحَمْلِ.

"وأبُو السَّنَابِل بنُ بَعْكَكٍ"بفتحِ السِّين."وبَعْكَكٍ"بفتحِ الباء، ِ وسكونِ العينِ، وفتحِ الكافِ، وهو ابنُ الحجَّاجِ بنِ الحارثِ بنِ السَّباقِ بنِ عبدِِ الدَّارِ، هكذَا نُسِبَ. وقِيلَ في نَسَبِه غيرُ ذلكَ، قيلَ: اسمُه عمرٌو. وقيلَ: حَبَّةٌ - بالباءِ - وقيل: حَنَّةُ - بالنَّونِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت