فهرس الكتاب

الصفحة 354 من 381

أحدُهُما: لا يُؤْكَلُ لهذا الحديثِ. ولِمَا أشارَ إليهِ من الْعِلَّةِ. فإنَّ أكلَهُ دليلٌ ظاهرٌ على اختيارِ الإمساكِ لنفسِهِ.

والثَّانِي: أنَّه يُؤْكَلُ. لحديثٍ آخَرَ وَرَدَ فيهِ من روايةِ أبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ.

وحُمِلَ هذا النَّهْيُ في حديثِ عَدِيٍّ على التِّنْزِيهِ: وربَّما عُلِّلَ بأنَّه كانَ من الْمَيَاسِيرِ فَاخْتِير لهُ الحَمْلُ على الْأَوْلَى، وأنَّ أبَا ثَعْلَبَةَ كانَ على عكسِ ذلكَ. فأخذَ لهُ بِالرُّخْصَةِ. وهوَ ضعيفٌ؛ لأنَّه عَلَّلَ عدمَ الأكلِ بخوفِ الإمساكِ على نفسِهِ. وهذه عِلَّةٌ لا تناسبُ إلَّا التَّحريمَ، أعنِي تَخَوُّفَ الإمساكِ على نفسِهِ.

اللَّهُمَّ إلَّا أن يُقَالَ: إنَّه عُلِّلَ بخوفِ الإمساكِ، لا بحقيقةِ الإمساكِ. فَيُجَابُ عن هذا: بأنَّ الأصلَ التَّحريمُ في الْمَيْتَةِ. فإذا شَكَكَنْا في السَّببِ المبيحِ: رَجَعْنَا إلى الأصلِ. وكذلكَ إذا شَكَكْنَا في أنَّ الصَّيْدَ ماتَ بِالرَّمْيِ، أو لوجودِ سببٍ آخَرَ يجوزُ أن يُخَالَ عليهِ الموتُ لم يَحِلَّ، كالوقوعِ في الماءِ مثلًا.

بل وقد اختلَفُوا فيما هوَ أشدُّ من ذلكَ. وهوَ مَا إذا غابَ عنهُ الصَّيْدُ ثم وجدَهُ مَيِّتًا، وفيهِ أثرُ سهمِهِ، ولم يعلمْ وجودَ سببٍ آخَرَ. فمَن حَرَّمَهُ اكتفَى بمجردِ تَجْوِيزِ سببٍ آخَرَ. فقد ذكرْنَا مَا دَلَّ عليهِ الحديثُ من المنعِ إذا وجدَهُ غريقًا. لأنَّه سببٌ للهلاكِ. ولا يعلمُ أنَّه ماتَ بسببِ الصَّيْدِ. وكذلكَ إذا تَرَدَّى من جبلٍ لهذه الْعِلَّةِ. نعمْ يُسَامَحْ في خَبْطِ الأرضِ إذا كانَ طائرًا؛ لأنَّه أمرٌ لا بدَّ منهُ.

392 -الحديثُ الثَّالثُ: عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ عن أبيهِ رَضِيَ اللهُ عنهُمَا قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ يقولُ: (( مَن اقْتَنَى كَلْبًا -إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَو مَاشِيَةً- فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ ) )قالَ سالمٌ: وكانَ أبُو هُرَيْرةَ يقولُ:"أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ"وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ.

فيهِ دليلٌ على منعِ اقتناءِ الكلابِ إلَّا لهذهِ الأغراضِ المذكورةِ، أعنِي: الصَّيْدَ، والماشيةَ، والزَّرعَ، وذلكَ لمَا في اقْتِنَائِهَا من مَفَاسِدِ التَّرْوِيعِ، وَالْعَقْرِ لِلْمَارَّةِ. ولعلَّ ذلكَ لمجانبةِ الملائكةِ لِمَحَلِّهَا، ومجانبةُ الملائكةِ: أمرٌ شديدٌ، لمَا في مُخَالَطَتِهِمْ من الإلهامِ إلى الخيرِ، والدُّعاءِ إليهِ.

وفيهِ دليلٌ على جوازِ الاقتناءِ لهذهِ الأغراضِ. واختلفَ الفقهاءُ: هل يُقَاسُ عليْهَا غرضُ حراسةِ الدُّرُوبِ أم لا؟

واسْتَدَلَّ المالكيَّةُ بجوازِ اتخاذِهَا للصَّيْدِ من غيرِ ضرورةٍ: على طهارتِهَا. فإنَّ مُلَابَسَتَهَا -مع الِاحْتَرَازِ عن مسِّ شيءٍ منهَا- شاقٌّ، والإذنُ في الشَّيءِ: إذنْ في مُكَمِّلَاتٍ مقصودةٍ، كمَا أنَّ الْمَنْعَ من لوازمِهِ مناسبٌ للمنعِ منهُ.

وقولُهُ"وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ"محمولٌ على أنَّه أرادَ ذِكْرَ سببِ العنايةِ بهذا الْحُكْمِ، حتَّى عَرَفَ منهُ مَا جَهِلَ غيرُهُ. والْمَحْتَاجُ إلى الشَّيءِ أكثرُ اهتمامًا بمعرفةِ حُكْمِهِ من غيرِهِ.

393 -الحديثُ الرَّابعُ: عن رافعِ بنِ خَدِيجٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: كنَّا معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ بذِي الْحُلَيْفَةِ من تِهَامَةَ، فأصابَ النَّاسَ جوعٌ. فأصابُوا إبلًا وغَنَمًا. وكانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ في أُخْرِيَاتِ القومِ. فَعَجَّلُوا وذبحُوا. ونَصَبُوا الْقُدُورَ. فأمرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ بالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، ثم قَسَمَ. فَعَدَلَ عشَرةً من الغنمِ ببعيرٍ، فَنَدَّ منهَا بعيرٌ. فطلبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ. وكانَ في القومِ خيلٌ يسيرةٌ. فَأَهْوَى رجلٌ منهمْ بسهمٍ، فحَبَسَهُ اللهُ. فقالَ: إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ. فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا. قلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّا لَاقُوا العدوِّ غدًا، وليسَ معنَا مُدًى. أفنذبحُ بالْقَصَبِ؟ قالَ: (( مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَليْهِ، فَكُلُوهُ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ ) ).

"خَدِيجٌ"والدُ رافعٍ: بفتحِ الْمُعْجَمَةِ وكسرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ. وبعدَ آخرِ الحروفِ جيمٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت