فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 381

قَالَ: ذُكِرَ لابنِ مَسعودٍ قَاصٌّ يَجْلِسُ بِالْلَيلِ، وَيَقولُ للنَّاسِ: قُولُوا كَذَا، وَقولُوا كَذا. فقالَ: إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأخْبِرُونِي. قَال: فَأَخْبَرُوهُ. فَأَتاهُ ابنُ مَسْعودٍ مُتقنِّعًا. فَقَالَ: مَن عَرَفَنِي فَقد عَرَفَنِي. وَمَن لَم يَعْرِفْنِي فَأَنا عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ. تَعلَمُونَ أَنَّكُم لَأهْدى مِن مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأصْحَابِهِ، يَعْنِي أو إِنَّكُمْ لَمُتَعَلِّقُونَ بذَنَبِ ضَلالَةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَقَد جِئتُم بِبِدْعَةٍ ظَلْماءَ، أو لَقَد فَضَلْتُم أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلْمًا. فهَذَا ابنُ مَسعودٍ أَنْكَرَ هَذَا الفِعْلَ، مَعَ إِمْكَانِ إِدْارَجِهِ تَحْتَ عُمُومِ فَضِيلَةِ الذِّكْرِ. عَلَى أَنَّ مَا حَكَيْنَاهُ فِي القُنُوتِ وَالجَهْرِ بِالبَسْمَلةِ مِن بَابِ الزِّيَادَةِ فِي العِبَادَاتِ.

الخَامَسُ: ذَكَرَ المُصَنِّفُ حَدِيثَ ابنِ عُمَرَ فِي بَابِ صَلاةِ الجَمَاعَةِ. وَلا تَظْهَرُ لَه مُنَاسَبَةٌ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ: أَنَّ قَولَ ابنِ عُمَرَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مَعْنَاهُ: أَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي الصَّلاةِ. فَلَيْسَت الدَّلالَةُ عَلَى ذلكَ قَوِيَّةً. فَإنَّ المَعِيَّةَ مُطْلقًا أَعَمُّ مِن المَعِيَّةِ فِي الصَّلاةِ. وَإنْ كَانَ مُحْتَمَلًا.

وَمِمَّا يَقْتَضي أنَّهُ لَم يُرِدْ ذَلكَ: أَنَّهُ أَوْرَدَ عَقِيبَهُ حَديثَ عَائشة َ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّهَا قَالَتْ: لَم يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيءٍ مِن النَّوَافِلِ أشدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَي الفَجْرِ )) وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: (( رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ مِن الدُّنْيا وَمَا فِيهَا ) )وَهَذَا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِصَلاةِ الجَمَاعَةِ.

63 -الحَديثُ السَّادسُ: وهو حَدِيثُ عَائشة َ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، المُقَدَّمُ الذِّكْرِ.

فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَأْكُّدِ رَكْعَتَي الفَجْرِ، وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمَا فِي الفَضِيلَةِ. وَقَد اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ. أَعْنِي فِي قولِهِ: (( إِنَّهُمَا سُنَّةٌ أَو فَضِيلَةٌ ) )بَعْدَ اصْطِلاحِهِمْ عَلَى الفَرْقِ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالفَضِيلَةِ. وذَكَرَ بَعْضُ مُتأخِّرِيهِمْ قَانُونًا فِي ذلِكَ. وهو أَنَّ مَا وَاظَبَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، مُظْهِرًا لَهُ فِي جَمَاعةٍ، فَهُوَ سُنَّةٌ وَمَا لَم يُوَاظِبْ عَلَيْهِ، وَعَدَّهُ فِي نَوافِلِِ الخَيْرِِ، فَهو فَضِيلَةٌ. وَما وَاظَبَ عَلَيْهِ، وَلَم يُظْهِرْهُ - وهَذَا مِثْلُ رَكْعَتَي الفَجْرِ - فَفِيهِ قَولانِ. أَحدُهُمَا. أنَّهُ سُنَّةٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ فَضِيلَةٌ.

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا إنْ كَانَ رَاجعًا إلى الاصْطِلاحِ فالأمْرُ فِيهِ قَريبٌ. فَإنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَصْطَلِحَ فِي (التَّسْمِيَّاتِ) عَلَى وَضْعٍ يَرَاهُ. وَإِنْ كَانَ رَاجِعًا إِلى اخْتِلافٍ فِي مَعْنًى. فَقَد ثَبَتَ فِي هَذَا الحَدِيثِ تَأكُّدُ أَمْرِ رَكْعَتَي الفَجْرِ بَالمُواظَبَةِ عَلَيْهِمَا. وَمُقْتَضَاهُ: تَأكُّدُ اسْتِحْبَابِهِمَا. فَلْيُقَلْ بِهِ. وَلا حَرَجَ عَلَى مَن يُسَمِّيهَا سُنَّةً، وإنْ أرُيدَ أَنَّهُمَا مَع تَأكُّدِهِمَا أخْفَضُ رُتْبَةً مِمَّا وَاظَبَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُظْهِرًا لَهُ فِي الجَمَاعَةِ، فَلا شَكَّ أنَّ رُتَبَ الفَضَائلِ تَختَلِفُ.

فَإِنْ قَالَ قَائلٌُ: إِنَّما سُمِّيَ بِالسُّنَّةِ أَعْلاهَا رُتْبَةً: رَجَعَ ذلكَ إِلى الاصْطِلاحِ واللهُ أعلمُ.

64 -الحَديثُ الأَوَّلُ: عَن أَنَسِ بنِ مَالكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَ قَالَ: أُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ.

الْمُخْتارُ عِندَ أهلِ الأُصِولِ: أنَّ قَولَهُ: (( أُمِرَ ) )رَاجِعٌ إِلى أمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَذَا (( أُمِرْنَا ) )وَ (( نُهِينَا ) )لأنَّ الظَّاهِرَ: انصِرافُهُ إِلَى مَن لَهُ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ شَرْعًا. وَمَن يَلزَمُ اتِّبَاعُهُ ويُحْتَجُّ بِقَولِهِ، وَهو النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وفي هَذَا المَوضِعِ زِيادَةٌ عَلَى هَذَا. وَهُوَ أنَّ العِبَادَاتِ وَالتَّقْدِيرَاتِ فِيهَا: لا تُؤْخَذُ إِلَّا بِتَوقِيفٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت