فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 381

للرَّجلِ. ومالكٌ اختارَ التَّوَرُّكَ وهوَ أَنْ يُفضِيَ بوَرِكِهِ إلى الأرضِ، وينصبَ رجلَهُ اليُمنَى. والشافعيُّ فرَّقَ بينَ التَّشهُّدِ الأوَّلِ والتشهدِ الأخيرِ. ففي الأوَّل اختارَ الافتراشَ على التَّوَرُّكِ. وفي الثَّانِي اختارَ التَّورُّكَ. وقدْ وردَ أيضًا هيئةُ التَّورُّكِ. فجمَعَ الشَّافعيُّ بينَ الحديثينِ فحَمَلَ الافتراشَ على الأوَّلِ. وحمَلَ التورُّكَ على الثَّانِي. وقدْ وردَ ذلكَ مُفَصَّلًا في بعضِ الأحاديثِ. ورُجِّحَ من جهةِ المعنَى بأمرين ليسَا بالقويَّيْن. أحدُهما: أنَّ المخالفةَ في الهيئةِ قد تكونُ سببًا للتَّذكُّرِ عندَ الشُّكِّ في كونِه في التَّشهُّدِ الأوَّلِ، أو في التَّشهُّدِ الأخيرِ. والثاني: أنَّ الافتراشَ هيئةُ استيفازٍ. فناسبَ أنْ تكونَ في التشهُّدِ الأوَّلِ. لأنَّ المُصلِّيَ مُستوفزٌ للقيامِ. والتورُّكُ هيئةُ اطمئنانٍ. فناسبَ الأخيرَ، والاعتمادُ على النَّقْلِ أَوْلَى.

وقولُها: وكانَ يَنْهَى عنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ ويُروَى: عن عَقِبِ الشِّيطانِ وفُسِّرَ بأنْ يفرشَ قدميهِ ويجلسَ بِأَلْيَتَيْهِ على عقبيهِ. وقد سُمِّيَ ذلكَ أيضًا الإقعاءُ.

وقولُها: ويَنْهَى أنْ يفترشَ إلى قولِهَا: السَّبُعِ. وهوَ أنْ يضعَ ذراعيهِ علَى الأرضِ في السُّجودِ. والسُّنَّةُ: أنْ يرفَعَهُمَا، ويكونُ الموضوعُ على الأرضِ كفَّيهِ فقطْ.

وقولُهَا: (( وكانَ يَختِمُ الصَّلاةَ بالتَّسليمِ. أكثرُ الفقهاءِ على تعيينِ التسليمِ للخروجِ مِن الصَّلاةِ، اتِّباعًا للفعلِ المُواظَبِ عليهِ. ولا يدلُّ الحديثُ على أكثرَ مِنْ مُسمَّى السَّلامِ. وقدْ يُؤخَذُ من هذَا: أن التَّسليمَ: مِنَ الصَّلاةِ؛ لقولِهَا: وكانَ يَخِتمُ الصَّلاةَ بالتَّسليمِ. وليسَ بالتَّشديدِ الظُّهورُ في ذلكَ. وأبو حنيفةَ يُخَالِفُ فيهِ.

86 -الحديثُ الرَّابعُ: عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُمَا: أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ، وإذَا كَبَّرَ للِرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأَسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعهُمَا كَذَلِكَ، وقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وكانَ لاَ يَفْعَلُ ذلِكَ فِي السُّجُودِ.

اختلفَ الفقهاءُ فِي رفعِ اليديِنِ في الصَّلاةِ على مذاهبَ متعدِّدةٍ. فالشافعيُّ قالَ بالرَّفعِ في هذِه الأماكنِ الثَّلاثةِ. أعني في افتتاحِ الصَّلاةِ , والرُّكوعِ , والرفعِ منَ الرُّكوعِ. وحُجَّتُه: هذا الحديثُ. وهوَ مِنْ أقوَى الأحاديثِ سَنَدًا. وأبو حنيفةَ لاَ يرىَ الرَّفعَ في غيرِ الافتتاحِ. وهوَ المشهورُ عندَ أصحابِ مالكٍ، والمعمولُ بهِ عندَ المتأخِّرينَ منهُمْ. واقتصرَ الشَّافعيُّ على الرَّفعِ في هذهِ الأماكنِ الثَّلاثةِ لهذَا الحديثِ. وقد ثبتَ الرَّفعُ عندَ القيامِ من الركعتينِ. وقياسُ نظرِه: أن يُسنَّ الرفعُ في ذلكَ المكانِ أيضًا؛ لِأَنَّه لمَّا قالَ بإثباتِ الرفعِ في الركوعِ والرَّفعِ منهُ - لكونهِ زائدًا على مَنْ روى الرَّفعَ عندَ التَّكبيرِ فقطْ - وجبَ أيضًا أن يُثبِتَ الرَّفعَ عندَ القيامِ مِنَ الرَّكعتينِ. فإنهُ زائدٌ على منْ أثبتَ الرَّفعَ في هذِه الأماكنِ الثلاثةِ فقطْ. والحُجَّةُ واحدةٌ في الموضعينِ.

*وأوَّلُ راضٍ سيرةً مَنْ يسيرُها*

والصوابُ - واللهُ أعلمُ - استحبابُ الرَّفعِ عندَ القيامِ من الرَّكعتينِ، لثبوتِ الحديثِ فيهِ. وأما كونُه مذهبًا للشافعيِّ - لأنَّه قالَ: إذا صحَّ الحديثُ فهوَ مذهبِي، أو مَا هذَا معناهُ - ففي ذلكَ نظرٌ. ولمَّا ظهرَ لبعضِ الفضلاءِ المتأخِّرينَ من المالكيَّةِ قوةُ الرَّفعِ في الأماكنِ الثلاثةِ على حديثِ ابنِ عمرَ: اعتذرَ عن تركِهِ في بلادِه فقالَ: وقد ثبتَ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه رفعَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت