فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 381

وَصَلَّى ضَامًّا بَينَ وَرِكَيْهِ، فَهوَ الَّذِي يُعيدُ فِي الوَقْتِ.

وَقَال القَاضِي عِياضٌ: وَكُلُّهُم مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَن بَلَغَ بِهِ ما لا يَعْقِلُ بِهِ صَلاتَهُ وَلا يَضْبِطُ حُدُودَهَا: أَنَّهُ لا يَجُوزُ، وَلا يَحِلُّ لَهُ الدُّخُولُ كَذلكَ فِي الصَّلاةِ، وَأنَّهُ يَقطعُ صَلاتَهُ إنْ أصابَهُ ذلكَ فِيهَا.

وَهَذَا الَّذِي قَدَّمْنَاهُ من التَّأوِيلِ، وَكَلامِ القَاضي عِيَاضٍ: فِيهِ بَعضُ إِجمَالٍ. وَالتَّحْقيقُ مَا أَشَرنَا إِليهِ أَوَّلًا، أَنَّهُ إنْ مَنَعَ مِن رُكنٍ أو شَرْطٍ: امْتَنَعَ الدُّخُولُ فِي الصَّلاةِ مَعهُ وَفَسَدَت الصَّلاةُ بِاختِلالِ الرُّكْنِ وَالشَّرطِ، وَإنْ لَم يَمْنَعْ مِن ذلكَ فَهُو مَكْروهٌ، إِن نَظَرَ إلى المَعنَى، أو مُمتَنِعٌ إن نَظرَ إلى ظَاهِرِ النَّهي. وَلا يَقتضِي ذَلكَ الإِعادةَ عَلَى مَذهبِ الشَّافِعِىِّ.

وَأمَّا مَا ذُكِرَ من التَّأويلِ أنَّهُ (( لا يَدْرِي كَيفَ صَلَّى ) )أو ما قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ (( إنَّ مَنْ بَلَغَ بهِ مَا لا يَعقِلُ صَلاتَهُ ) )فَإنْ أُرِيدَ بِذلكَ الشَّكُ فِي شَيءٍ مِن الأرْكَانِ؛ فحُكْمُهُ حُكْمُ مَن شَكَّ فِي ذَلكَ بِغيرِ هَذَا السَّبَبِ. وهُو البِناءُ عَلَى اليَقِينِ. وَإنْ أُرِيدَ بِهِ أنَّه يُذْهِبُ الخُشُوعَ بِالكُلِّيَّةِ؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَن صَلَّى بِغيرِ خُشُوعٍ. وَمَذهَبُ جُمهورِ الأُمَّةِ أنَّ ذَلكَ لا يُبطِلُ الصَّلاةَ.

وَقولُ القَاضِي (( وَلا يَضْبِطُ حُدُودَهَا ) )إنْ أُرِيدَ بِهِ؛ أَنَّهُ لا يَفْعَلُهَا كَما وجَبَ عَلَيهِ؛ فَهُو ما ذَكَرنَاهُ مُبَيَّنًا. وَإنْ أُرِيدَ بِهِ: أنهُ لا يَسْتَحْضِرُها، فَإنْ أَوْقَعَ ذَلكَ شَكًّا فِي فِعْلِهَا، فَحُكْمُه حُكْمُ الشَّاكِّ فِي الإتْيَانِ بِالرُّكْنِ، أَو الإخْلالِ بالشَّرْطِ مِن غَيرِ هذهِ الجِهةِ. وَإنْ أُرِيدَ بهِ غَيرُ ذَلكَ، مِن ذَهَابِ الخُشُوعِ؛ فَقدْ بَيَّنَّاهُ أيضًا.

وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ إنَّما هُوَ بالنِّسْبَةِ إلى إعَادَةِ الصَّلاةِ. وَأمَّا بالنِّسْبَة إِلى جَوازِ الدُّخُولِ فِيهَا. فَقدْ يُقَالُ: إنَّهُ لا يَجوزُ لَه أنْ يَدخُلَ فِي صَلاةٍ لا يَتَمَكَّنُ فِيها مِن تَذَكُّرِ إِقَامَةِ أرْكَانِهَا وَشرائِطِهَا.

وَأمَّا مَا أَشَارَ إِليهِ بعْضُهمْ مِن امتِناعِ الصَّلاةِ مَع مُدَافَعَةِ الأخبَثَينِ، مِن جِهَةِ أنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ عَن مَقَرِّهَا يَجْعَلُهَا كَالبَارِزَةِ، وَيُوجِبُ انتِقَاضَ الطَّهَارَةِ، وَتَحْرِيمَ الدُّخُولِ فِي الصَّلاةِ، مِن غيرِ التَّأْوِيلِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فَهُوَ عندِي بَعيدٌ؛ لأَنَّهُ إحْدَاثُ سبَبٍ آخَرَ فِي انتِقَاضِ الطَّهَارَةِ من غَيْرِ دَلِيلٍ صَرِيحٍ فيهِ. فَإنْ أسْنَدَهُ إلى هَذَا الحَدِيثِ، فَلَيسَ بِصَرِيحٍ فِي أنَّ السَّببَ ما ذكَرَهُ. وَإِنّمَا غَايَتُهُ أنَّهُ مُنَاسِبٌ أو مُحْتَمَلٌ. واللهُ أعْلَمُ.

55 -الحَديثُ التَّاسِعُ: عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَال: شَهِدَ عِنْدي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ - وَأَرْضَاهُمْ عِندي: عُمَرُ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَن الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ.

56 -الحَدِيثُ العَاشِرُ: عَن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: َ (( لا صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلا صَلاةَ بَعْدَ العَصْرِ حتى تَغِيبَ الشَّمْسُ ) ).

فِي الحَديثِ الأَوَّلِ: رَدٌّ عَلَى الرَّوافِضِ فِيمَا يَدَّعُونَهُ مِن المُبَاينَةِ بَينَ أهْلِ البَيتِ وَأَكابرِ الصَّحَابةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ.

وَقَولُهُ: (( نَهَى عن الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ ) )أَيْ بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ (( وَبَعْدَ العَصْرِ ) )أَيْ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ، فَإِنَّ الأَوقَاتِ المَكْرُوهَةَ عَلَى قِسمينِ. مِنْهَا: مَا تَتَعلَّقُ الكَرَاهَةُ فيهِ بِالفِعْلِ، بِمَعْنى أنَّهُ إِنْ تَأخَّرَ الفِعْلُ لَم تُكْرَهِ الصَّلاةُ قَبْلَهُ. وَإِنْ تَقَدَّمَ فِي أوَّلِ الوَقتِ كُرِهَتْ. وَذَلكَ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ وَصَلاةِ العَصْرِ. وَعَلى هَذَا يَخْتلفُ وَقْتُ الكَرَاهَةِ فِي الطُّولِ وَالقِصَرِ. وَمِنْهَا: مَا تَتَعلَّقُ فِيهِ الكَرَاهَةُ بِالوقْتِ، كَطُلُوعِ الشَّمسِ إلى الارْتِفَاعِ، وَوقْتُ الاسْتِوَاءِ. وَلا يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ فِي هَذَا الحَدِيثِ مُعَلَّقًا بِالوقْتِ، لأَنَّهُ لابُدَّ مِن أَدَاءِ صَلاةِ الصُّبحِ وَصَلاةِ العَصْرِ. فَتَعيَّنَ أنْ يكونَ المرادُ بَعدَ صَلاةِ الصُّبحِ، وَبعدَ صَلاةِ العصرِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت